مجتمع

"باير" تخطط لدعم زراعة الذرة جنوب الجزائر

الذكاء الاصطناعي يقلص مدة اكتشاف الأدوية الزراعية.

  • 726
  • 6:54 دقيقة
الصورة: ح.م.
الصورة: ح.م.

مبعوث "الخبر" إلى ليون: محمد سيدمو

كشفت شركة باير الألمانية، المختصة في التكنولوجيا الزراعية، عن اختبار أصناف من بذور الذرة في الظروف الصحراوية، لتقييم قدرتها على تحقيق مردودية جيدة قبل الانتقال إلى تسويقها في الجزائر، حيث تستهدف تغطية نحو خمسة آلاف هكتار من الأراضي المزروعة خلال الخمس سنوات المقبلة.

وقالت أمينة لقيمة، المديرة الإقليمية لباير في شمال إفريقيا والمسؤولة عن فرع العلوم الزراعية، في لقاء مع صحفيين بمدينة ليون الفرنسية، أن الجزائر تمثل سوقا ذات أولوية بالنسبة إلى الشركة، التي تطمح إلى أن تصبح رائدة في سوق بذور الذرة بالبلاد، اعتمادا على تطوير أصناف هجينة تتلاءم مع الظروف المناخية المحلية واحتياجات المزارعين.

وأوضحت المسؤولة أن التجارب الميدانية انطلقت خلال السنة الجارية، وتشمل أصنافا من الذرة يجري اختبارها في المناطق الصحراوية باستخدام أنظمة الري المحوري، بهدف معرفة مدى قدرتها على التكيف مع الظروف الفعلية للإنتاج الزراعي في الجنوب.

وأضافت أن الشركة تنتظر نتائج هذه التجارب قبل اتخاذ الخطوات اللاحقة، معربة عن أملها في أن تكون النتائج مشجعة بما يسمح بتسويق الأصناف التي تثبت ملاءمتها للظروف المحلية.

وتأتي هذه الخطوة في سياق مواكبة توجه الجزائر نحو توسيع المساحات المخصصة للمحاصيل الإستراتيجية، والاستفادة من الأراضي الزراعية في الجنوب لزيادة الإنتاج .

وأوضحت المسؤولة على أن هدف باير الحالي يتمثل في الوصول إلى خمسة آلاف هكتار خلال السنوات الخمس المقبلة، بالتوازي مع اختبار البذور وتقييم نتائجها ميدانيا.

وفيما يتعلق بإمكانية إنشاء وحدة صناعية لإنتاج البذور في الجزائر، أكدت المديرة الإقليمية أن هذا الخيار لا يدخل حاليا ضمن خطط الشركة، موضحة أن الأولوية تتمثل في اختبار الأصناف وتقييم أدائها ومتابعة تطور السوق، على أن يبقى الإنتاج المحلي خيارا يمكن بحثه مستقبلا، دون وجود قرار حالي بشأنه.

ولا يقتصر نشاط باير في المنطقة على الذرة، إذ تمثل الحبوب والفواكه والخضروات محاور مهمة في إستراتيجيتها. وأوضحت لقيمة أن الشركة تسعى إلى تعزيز موقعها في سوق الحبوب في المغرب العربي خلال السنوات الخمس المقبلة، بالاعتماد على الابتكار وتطوير حلول تتناسب مع خصوصية كل سوق.

مخابر بالذكاء الاصطناعي

وفي عالم اليوم الذي يتغير بسرعة هائلة بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي، لم يعد تطوير البذور والحلول الزراعية مقتصرا على الحقول وحدها. ففي مدينة ليون الفرنسية، تعمل فرق البحث التابعة للشركة على تطوير تقنيات ومواد جديدة لحماية المحاصيل، مستفيدة من الكيمياء والبيولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والروبوت.

وداخل مركز البحث والتطوير "لا دارغوار" (La Dargoire) الذي زارته "الخبر" يعمل نحو 200 باحث في تخصصات تشمل البيولوجيا والكيمياء الحيوية والكيمياء والتصوير وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي. وينصب جزء من عملهم على فهم الأمراض التي تصيب النباتات، وتحديد الآليات التي تساعد الكائنات المسببة لها على النمو والتكاثر، ثم البحث عن مواد قادرة على تعطيلها.

ووفق ما تحدث الباحثون، تبدأ العملية بدراسة المرض وتحديد نقاط الضعف لدى الفطريات والبكتيريا المسببة للمرض، قبل البحث عن جزيئات يمكنها التأثير في وظائفها الحيوية. ويسمح هذا الأسلوب بتوجيه البحث نحو مواد تستهدف مسببات الأمراض بصورة أكثر دقة، بدلا من الاعتماد على تجارب عشوائية واسعة.

وفي هذا المسار، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة تساعد الباحثين على تحليل كميات كبيرة من البيانات ودراسة خصائص الجزيئات والتنبؤ ببعض سلوكياتها. وبذلك، يمكن اختيار المواد الأنسب وإخضاعها للتجارب المخبرية، بدلا من اختبار جميع المركبات المحتملة بالطريقة نفسها.

وتستخدم الفرق البحثية تقنيات التصوير لمراقبة الخلايا الفطرية ومتابعة التغيرات التي تطرأ عليها بعد تعرضها لمركبات مختلفة. وتساعد هذه النتائج على فهم طريقة تأثير المواد، والبحث عن آليات جديدة لمكافحة الأمراض، خاصة أن بعض مسبباتها تستطيع تطوير مقاومة تجاه المنتجات المستخدمة بصورة متكررة، غير أن اكتشاف مادة واعدة لا يعني أنها أصبحت جاهزة للاستخدام الزراعي، إذ يتعين اختبار فعاليتها، ودراسة تأثيرها في الكائنات غير المستهدفة، ومدى بقائها في البيئة، وطريقة تحللها ومستويات البقايا التي قد تتركها على المحاصيل. وتخضع المنتجات لتقييمات علمية وتنظيمية قبل السماح بتسويقها، وفقا للقواعد المعمول بها في الأسواق المعنية.

من المختبر إلى الإنتاج الصناعي

بعد البحث والاختبارات، تنتقل العملية إلى مواقع التصنيع. ففي منشأة فيلفرانش سور صون (Villefranche-sur-Saône)، تنتج باير التركيبات الزراعية وتراقب جودتها قبل توجيهها إلى الأسواق.

ويمتد الموقع على مساحة 28 هكتارا، ويضم أنشطة إنتاجية تشمل نحو 200 تركيبة انطلاقا من 60 مادة فعالة، وفق بيانات الشركة، مع إنتاج سنوي يقارب الـ 29 ألف طن وتوجيه المنتجات إلى 52 بلدا.

وتشمل العمليات الصناعية تصنيع التركيبات وتعبئتها ومراقبة جودتها واستقرارها، إلى جانب تحسين استخدام الموارد وتحديث وسائل الإنتاج. وتساعد الأدوات الرقمية على متابعة العمليات واكتشاف الاختلالات وتحسين القرارات، بما يربط الابتكار المخبري بالتصنيع على نطاق واسع.

ولا يقتصر تطوير الحلول على العمل داخل المختبرات والمصانع، بل يمتد إلى التعاون مع الجامعات والشركات الناشئة والمزارعين. ويؤدي مركز "لايف هاب ليون" (LifeHub Lyon) دورا في جمع هذه الأطراف وتبادل الخبرات، بهدف تطوير حلول تستجيب للمشكلات الفعلية التي تواجه القطاع الزراعي.

ويوضح فيليب ميريس، مدير "لايف هاب ليون"، أن المركز يهدف إلى تشجيع الحوار بين مختلف مكونات المنظومة الزراعية وتسريع الابتكار، من خلال التعاون بين الباحثين والشركاء الأكاديميين والشركات الناشئة والمزارعين.

وتبرز أهمية هذا التعاون في اختلاف الظروف الزراعية من منطقة إلى أخرى. فالحلول التي تثبت فعاليتها في مناخ معين لا يمكن اعتمادها تلقائيا في بيئة مختلفة، إذ يتعين مراعاة درجات الحرارة والرطوبة ونوعية التربة وتوفر المياه والأمراض والآفات المنتشرة

الصراع مع الإيكولوجيين

وردا على سؤال "الخبر" بشأن الصراع المستمر بين "باير" ومنظمات حماية البيئة والأحزاب الإيكولوجية، دافع مسؤولو الشركة عن منظومة الرقابة المفروضة على المنتجات الزراعية في الاتحاد الأوروبي، مؤكدين أن المبيدات والمواد المستخدمة في حماية المحاصيل تخضع لتقييمات علمية وصحية وبيئية قبل الترخيص بتسويقها. وأوضحوا أن هذه الإجراءات تشمل دراسة فعالية المواد ومخاطرها المحتملة على صحة الإنسان والبيئة، في إطار القواعد التنظيمية الأوروبية التي تفرض شروطا صارمة على اعتماد المنتجات وتجديد تراخيصها.

وفي معرض ردهم على الانتقادات التي تواجه الشركة، أرجع مسؤولو باير جانبا منها إلى ما وصفوه بوجود ثقافة سياسية واجتماعية في فرنسا تتحفظ على الشركات الكبرى، معتبرين أن المواقف المناهضة لها تتأثر أحيانا باعتبارات أيديولوجية. ويرى هذا الطرح أن النقاش العام حول المبيدات والصناعة الكيميائية لا يتصل بالمعطيات العلمية وحدها، بل يتداخل أيضا مع تصورات المجتمع لدور الشركات الكبرى، وحدود تدخلها في الزراعة والغذاء والبيئة.

وربط مسؤولو الشركة هذا الجدل أيضا بالتغير الذي عرفته المجتمعات الأوروبية مع تحسن الوفرة الغذائية وتراجع الشعور المباشر بمخاطر فقدان المحاصيل. واعتبروا أن دور المعالجة الكيميائية في مكافحة الأمراض والآفات الزراعية وضمان استقرار الإنتاج أصبح أقل حضورا في الوعي العام، مقارنة بالاهتمام المتزايد بالتأثيرات الصحية والبيئية للمنتجات المستخدمة في الزراعة.

هذا الطرح، يبالمقابل، يعكس وجهة نظر الشركة في تفسير الانتقادات، ولا يلغي استمرار الخلاف العلمي والسياسي بشأن بعض المواد الفعالة ومخاطر استخدامها. فقد تحول الجدل حول مبيدات الأعشاب، وعلى رأسها مبيد الغليفوسات، إلى قضية بارزة في فرنسا وأوروبا، وشاركت فيه منظمات بيئية وجمعيات صحية ومستهلكون، إلى جانب أحزاب إيكولوجية تطالب بتشديد القيود أو حظر بعض المواد.

"الذكاء الاصطناعي يعد بثورة في عالم الزراعة"

أوضح فيليب ميريس، رئيس الباحثين في شركة "باير" (Bayer) بمدينة ليون الفرنسية، أن التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع التقدم في فهم العمليات البيولوجية، يفتح آفاقا جديدة أمام تطوير حلول زراعية أكثر دقة وفعالية واستدامة، من خلال تحسين القدرة على تصميم جزيئات تستهدف الآفات الزراعية والأمراض الفطرية والأعشاب الضارة.

وقال ميريس، في تصريح لـ "الخبر"، أن توظيف هذه التقنيات يتيح تطوير آليات مبتكرة لمكافحة المشكلات التي تهدد المحاصيل الزراعية، عبر تصميم جزيئات وفق خصائص محددة، موضحا أن الذكاء الاصطناعي بات يسهم في تقليص المدة اللازمة للتوصل إلى مواد فعالة، من خلال تسريع عمليات البحث وتحليل المعطيات البيولوجية وتحديد الجزيئات الواعدة. غير أن هذا التطور، حسبه، لم ينعكس بالوتيرة نفسها على المدة الإجمالية اللازمة لطرح المنتجات في السوق، التي لا تزال تقريبا عند مستوياتها السابقة، بالنظر إلى الشروط التنظيمية والاختبارات الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي قبل الترخيص بتسويق المنتجات الزراعية.

وأضاف أن الجزيئات الجديدة تخضع لسلسلة من الاختبارات والتقييمات للتأكد من فعاليتها وسلامتها، ودراسة تأثيراتها المحتملة على البيئة والنظم الإيكولوجية، مشيرا إلى أن تسريع البحث العلمي لا يعني تجاوز مراحل التحقق من سلامة المنتجات، بالنظر إلى المتطلبات التنظيمية التي تحكم اعتمادها وتسويقها.

وأوضح ميريس أن التقدم المسجل في فهم الآليات البيولوجية، مدعوما بإمكانات الذكاء الاصطناعي، يساعد الباحثين على توسيع نطاق الخيارات المتاحة أمامهم عند تصميم الجزيئات الجديدة، وتطوير حلول تستجيب بصورة أفضل لاحتياجات المزارعين والتحديات التي تواجه المحاصيل. كما يتيح العمل على ابتكار منتجات أكثر استدامة، تأخذ في الحسبان تطور الآفات والظروف الزراعية المختلفة.

وأشار إلى أن تطوير الحلول الزراعية يستند إلى مجموعة من المعايير المتداخلة، تشمل الفعالية والأمان والجدوى الاقتصادية والأثر البيئي، باعتبار أن نجاح الابتكار لا يقاس فقط بقدرته على حماية المحاصيل، وإنما أيضا بمدى ملاءمته لاحتياجات المزارعين وقدرتهم على استخدامه في ظروف الإنتاج الفعلية.

وأكد أن مراعاة السلامة الغذائية والحد من البقايا والمخلفات الضارة في البيئة يمثلان جزءا من أهداف تطوير هذه الحلول، إلى جانب السعي إلى تقليص التكاليف وتحسين الجدوى الاقتصادية للمزارعين، مشددا على أن الذكاء الاصطناعي يساهم في تسريع مراحل البحث والتطوير، لكن وصول المنتجات إلى السوق يظل مرتبطا باستكمال الاختبارات واستيفاء الشروط التنظيمية المعمول بها في الاتحاد الأوروبي.