الوطن

هل تبرئ قضية الفساد في استيراد الأضاحي "المبلّغين" عنها؟

أدينوا بعد نشر أخبار عن نفوق البعض منها.

  • 2581
  • 3:00 دقيقة
ص:ح.م
ص:ح.م

أعادت خبايا وأطوار قضية الفساد التي صاحبت استيراد الأضاحي وكشف عنها النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر، طرح قضية الأشخاص الذين وثقوا وبلّغوا عن مظاهر نفوق الأغنام، من زاوية قانونية تتحدث عن مدى إمكانية تفعيل إجراء "إعادة النظر".

بالرغم من أن المتهمين الذين أوقفوا في قضية الفساد الضخمة التي صاحبت عملية استيراد أضاحي عيد الأضحى، لايزالون في نظر القانون غير مذنبين إلى غاية إدانتهم عملا بقرينة البراءة، إلا أن وقائع نفوق والذبح الاضطراري لآلاف الأغنام التي كشف عنها النائب العام لمجلس قضاء الجزائر، نهاية الأسبوع الماضي، صارت مثبتة رسميا.

وأثار قانونيون مسألة إعادة النظر في قضايا هؤلاء الذين تحدثوا عن وجود خلل في الأغنام المستوردة، على أساس أن المستجدات التي كشفها النائب العام مثلت ظهور عناصر جديدة تمنحهم الحق في طلب إعادة النظر وتقربهم من البراءة. وكتب المحامي عميروش باكوري، منشورا بعنوان "بين إشاعة الأمس وحقائق اليوم: قراءة في المادة 693 من قانون الإجراءات الجزائية".

واعتبر باكوري أن ما كشف عنه النائب العام، يمثل منعطفا الجديدا يعيد إلى الواجهة ملفاً شائكاً يتعلق بأشخاص أدينوا سابقاً بجريمة "نشر أخبار كاذبة" بناءً على معطيات اعتُبرت حينها خاطئة. غير أنه وأمام المعطيات الرسمية المستجدة، يطرح رجال القانون والمتابعون سؤالاً جوهرياً: هل يملك المدانون سابقاً في هذه القضايا سنداً قانونياً لإعادة النظر في أحكام إدانتهم؟

يجيب المحامي في تحليل قانوني جاد وعميق ينطلق من فرضية سقوط الركن المادي وإمكانية إعادة تكييف الوقائع، قائلا إن الإدانة السابقة في مثل هذه القضايا تأسست على نص المادة 196 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، والتي تنص صراحة على أنه "يعاقب بالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة من 100.000 دج إلى 300.000 دج، كل من ينشر أو يروج عمداً، بأي وسيلة كانت، أخباراً أو أنباء كاذبة أو مغرضة بين الجمهور، يكون من شأنها المساس بالأمن العمومي أو النظام العام وتضاعف العقوبة في حالة العود".

وبتفكيك هذا النص العقابي، يرى المحامي أن جوهر الجريمة وقوامها هو أن تكون الأخبار المنشورة "كاذبة أو مغرضة"، فضلاً عن توافر عنصر "العمد" (القصد الجنائي).

وبالتالي، يضيف المتحدث، فإن "التحريات القضائية الرسمية اللاحقة التي أثبتت أن الاختلالات أو الأمراض كانت حقيقة موضوعية وقائمة فعلاً، فالخبر المنشور يفقد فوراً وصف "الكذب"، ومِن ثم يؤدي إلى انهيار الركن المادي للجريمة تماماً، وينتفي معه القصد الجنائي لدى الناشر الذي ربما كان يهدف بنشره إلى التنبيه أو التوعية بالخطر".

ولإحقاق الحق، حسب المحامي، تحدث هذا الأخير عن المادة 693، بوصفها "الملاذ القانوني لإحقاق العدالة تماشياً مع المعطيات المستجدة".

وذكر القانوني أن هذه المادة تمنح فرصة لهؤلاء لـ"طلب إعادة النظر" كطريق طعن غير عادي ضد الأحكام والقرارات الجزائية النهائية الصادرة بالإدانة في مواد الجنايات والجنح، مشيرا إلى أن الفقرة الرابعة من المادة تقول في شقها الأخير: "بكشف واقعة جديدة أو تقديم مستندات كانت مجهولة من القضاة الذين حكموا بالإدانة، مع أنه يبدو منها أن من شأنها التدليل على براءة المحكوم عليه".

وبناء على ذلك، اعتبر باكوري بيان النائب العام بمثابة "الواقعة الجديدة" والمستندات الجوهرية التي لم تكن معروضة على قضاة الموضوع حين طبّقوا المادة 196 مكرر من قانون العقوبات وأصدروا أحكام الإدانة.

وعمليا، بحسب صاحب القراءة، فإنه لا يجوز طلب إعادة النظر إلا من النائب العام لدى المحكمة العليا، بالتالي يتعين على المحكوم عليهم تقديم طلب رسمي إلى وزير العدل أولا.

وفي حال قبول الطلب، يضيف المحامي، يُحال الملف إلى النائب العام لدى المحكمة العليا ليرفع الدعوى أمام الغرفة المختصة، موضحا أنه في حال وافقت المحكمة العليا على الطلب وتأكدت من عدم صحة الإدانة بموجب المادة 196 مكرر بناءً على المعطيات الجديدة، فإنها "تقضي بغير إحالة ببطلان أحكام الإدانة"، أي من دون إعادة محاكمتهم.

واعتبر القانوني أن هذا الأثر الفوري بمثابة رد الاعتبار التام للمحكوم عليهم، ومحو العقوبة وآثارها من صحيفة سوابقهم القضائية تلقائياً، واصفا ذلك بـ"مرونة المنظومة العقابية والإجرائية الجزائرية وقدرتها على ملاءمة أحكامها متى ظهرت الحقائق الكاملة، تجسيداً لدولة القانون وحمايةً لحقوق المواطنين وحرياتهم".