اسلاميات

عيد الأضحى ودوره في التكافل الاجتماعي

تذكرنا الأعياد الإسلامية بالتكافل الاجتماعي وأهميتها في حياة المسلمين

  • 15
  • 3:00 دقيقة
الدكتور عبدالحق حميش
الدكتور عبدالحق حميش

تذكرنا الأعياد الإسلامية بالتكافل الاجتماعي وأهميتها في حياة المسلمين، وبخاصة شعيرة الأضحى التي نعيش هذه الأيام نسائمها المباركة.

يعد عيد الأضحى المبارك العيد الثاني في الإسلام بعد عيد الفطر، ويحمل بين طياته رسائل عميقة من الإيمان، والطاعة، والتضحية، والتكافل الاجتماعي. يأتي هذا العيد في العاشر من شهر ذي الحجة، ليكون ذروة شعائر الحج، حيث يحتفل به المسلمون في كافة أرجاء الأرض، متقربين إلى الله سبحانه وتعالى، ومستذكرين قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل، حين تجلّت أسمى معاني التسليم والرضا بقضاء الله تعالى والانقياد لأمره.

تعود جذور تشريع عيد الأضحى في الإسلام إلى قصة أبينا إبراهيم عليه السلام، الذي رأى في منامه أنه يذبح ابنه إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحي، فما كان من نبي الله إبراهيم عليه السلام إلا أن انطلق لينفذ أمر الله في التضحية بفلذة كبده. وبلغت هذه القصة ذروتها حين قال إسماعيل عليه السلام لأبيه: {يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين}. وفي هذه اللحظة الإيمانية العميقة الصعبة من التسليم الكامل لأمر لله تعالى حدث الفرج والمكافأة من الله، حيث فُدي إسماعيل بذِبح عظيم الذي هو كبش عظيم كأضحية، ليصبح هذا الحدث رمزا خالدا للتضحية والامتثال.

ومن هنا، جاء النسك الإسلامي بذبح الأضاحي كل عام في هذا اليوم المبارك، إحياء لسنة إبراهيم، وتأكيدا على روح الطاعة والخضوع لله، وتطهيرا للنفس من الأثرة والأنانية.

الأضحية ليست مجرد ذبح لحيوان وتوزيع لحمه للناس، بل هي عبادة عظيمة تتجلى فيها معاني الإخلاص والتقوى والصدقة، كما قال تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}.

يقدم المسلم على الأضحية تقرُّبا إلى الله، ومشاركة في معاني الفداء والتضحية، واستشعارا لقيم الإيمان. وقد حض عليها النبي صلّى الله عليه وسلم فيما روى الترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “ما عمل ابن آدم يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان كذلك قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسا” تأكيدا على أهمية هذا النسك في حياة المسلم.

ومن أبرز ما يميز عيد الأضحى هو التركيز الكبير على مشاركة الفقراء والمحتاجين إذ لا يقبل أن يحتفل الإنسان بمفرده بينما جاره أو قريبه لا يجد ما يسد به رمقه، لذلك جاءت الأضحية كوسيلة لتحقيق عدالة اجتماعية مؤقتة ولكن فعّالة حيث تذكّر المسلمين بأهمية التراحم والمشاركة.

بل إن البعض يجعل عيد الأضحى أيضا مناسبة لزيارة المستشفيات ودور الأيتام والملاجئ، لتقديم الهدايا واللحوم والابتسامات.

ومن عظمة الشريعة الإسلامية أنها حثّت على الأضحية في هذا اليوم، فهذا يوم عيد لدى المسلمين، ولا يجب أن يشعر الفقير فيه بالحاجة والعوز؛ لذلك كان توزيعها يحمل في جوهره تكافلا تفيد منه الجماعة ماديا وخُلقيا؛ فعن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في الأضحية: “... ويُطعِم أهل بيته الثلث، ويُطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بثلث”.

وذلك ليتحرّى المسلم في احتفاله بالعيد عن ذوي الحاجة والبائسين من أقاربه أو مواطنيه، فينضح عليهم من معين برّه، ويخفّف عنهم ألم حرمانهم، ويشرِكهم في فرحة العيد ومناسبته السعيدة، وبذلك أيضا يشعر الفقراء أنهم من الجماعة، لهم عليها أن تتذكّرهم وترعاهم، فيجدد الفقراء حبهم للأغنياء، وثقتهم بهم، والتفافهم حولهم، كما يجدد الأغنياء وفاءهم وودادهم لأحبائهم وأقاربهم المحتاجين.

والأضحية بهذا تمثل رافدا قويا من روافد التكافل الاجتماعي، وتزيد من أواصر التقارب والتآلف بين أفراد المجتمع المسلم. وهكذا ربط الإسلام أعياد المسلمين بتقوية العلاقة بين أفراد الأمة، وإبراز روح التكافل والتعاون، وما أسعد مجتمعا عاش بهذه القيم! وما أعظم جزاءه عند الله عز وجل.

وبالإضافة إلى شعيرة الأضحية، يساهم عيد الأضحى ككل في تعزيز التكافل الاجتماعي من خلال مظاهر أخرى: زيارة الأقارب والأرحام، العطاء والتبرع، التسامح والعفو، وإغاثة المتضررين والمحرومين.

إن عيد الأضحى المبارك ليس مجرد عطلة أو احتفال، بل هو مناسبة لتجديد العهد مع الله ومع النفس ومع المجتمع. إنه دعوة مفتوحة للتأمل في قيم التضحية والعطاء، ولتعزيز التكافل الاجتماعي الذي هو أساس قوة أي أمة.