الوطن

نوايا سيئة وتناقض في الموقف الفرنسي

باريس أعادت تدوير أسطوانة اتفاقية 1968.

  • 6585
  • 1:59 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

يعود ملف اتفاقية الهجرة سنة 1968 بين الجزائر وفرنسا إلى واجهة النقاش داخل الأوساط الرسمية الفرنسية، وترافق هذا الطرح مع تصريحات لمسؤولين فرنسيين تدعو إلى "مراجعة" الاتفاقية، غير أن إعادة فتح هذا الملف الحساس تكشف مرة أخرى عن مقاربة فرنسية تميل إلى الطرح الأحادي وتتجاهل البعد السيادي للعلاقات الثنائية، ومبدأ المعاملة بالمثل الذي تؤكد عليه الجزائر في تعاملها مع مختلف الشراكات الدولية.

في مقابلة مع صحيفة "جورنال دو ديمانش"، حاول وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إظهار خطاب يتسم بالحزم والانضباط فيما يخص المباحثات الجارية مع الجزائر حول ملف الهجرة، غير أن القراءة المتأنية لتصريحاته، تكشف في العمق عن مقاربة فرنسية أحادية الجانب لا تعكس حقيقة العلاقة التي يفترض أن تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل بين دولتين ذاتي سيادة.

فالحديث عن "حوار حازم" و"مناقشات متطلبة" مع الجزائر، كما ورد على لسان الوزير، يبدو موجها في اتجاه واحد، إذ تعترف باريس نفسها بأن ملف استرجاع الرعايا الخاضعين لإجراءات الإبعاد القسري لم يُحسم بعد. ورغم ذلك، لا تزال السلطات الفرنسية تُبقي النقاش في إطار تقني وإجرائي ضيق، في وقت تلجأ فيه إلى ضغوط سياسية وإعلامية لا تساعد على بناء مناخ ثقة حقيقي.

ويؤكد الوزير الفرنسي رغبته في التوصل إلى اتفاق "دائم" بدل حلول ظرفية، غير أن هذا الطرح يتزامن مع إصرار فرنسي على مراجعة اتفاقيات 1968، في خطوة تبدو وكأنها تُطرح كأمر واقع دون مراعاة مبدأ التفاوض المتكافئ أو أخذ المصالح الجزائرية بعين الاعتبار، خاصة فيما يتعلق بالجوانب السيادية والأمنية.

وتكشف عبارة لوران نونيز التي دعا فيها إلى "قبول الطرف الجزائري بالشروط المفروضة"، قبل أن يتحدث لاحقا عن "الاحترام المتبادل"، عن تناقض واضح في الخطاب الفرنسي، حيث يُستدعى مفهوم الاحترام نظريا، بينما تُصاغ الشروط عمليا من طرف واحد، والحال أن الجزائر ليست طرفا منفذا لقرارات أحادية، بل دولة ذات سيادة كاملة، لها تصورها الخاص للتعاون في ملف الهجرة يقوم على التوازن والمعاملة بالمثل.

وتؤكد الجزائر أن مسألة الترحيل لا يمكن عزلها عن سياقها الأشمل الذي يضم سياسة التأشيرات الفرنسية ذات الطابع العقابي وظروف معاملة المواطنين الجزائريين في فرنسا، فضلا عن البعد التاريخي للعلاقات الثنائية، والحاجة إلى تجاوز المقاربات الظرفية نحو شراكة ندية تحترم المصالح المتبادلة، وهي عناصر غابت، أو جرى تهميشها، في خطاب وزير الداخلية الفرنسي.

وعندما يعبر نونيز عن "ثقته" في التوصل إلى اتفاق خلال "الأسابيع المقبلة"، يبدو أن الهدف الأساسي هو طمأنة الرأي العام الفرنسي أكثر من التعبير عن تقدم فعلي في مسار التفاهم مع الجزائر، وهي مقاربة تقوم على افتراض استجابة الجزائر للضغوط، وهو ما أثبتت التجربة أنه يفاقم التوتر بدل أن يسهم في تهدئة العلاقات.