فقدت البليدة، أحد أعيانها وأبنائها و واحد من حفظة أسرار ذاكرة المدينة، وشاهد عيان لحقبة ما قبل الثورة التحريرية، وفترة الاستقلال ومطلع الألفية الجديدة بامتياز، العم يوسف أوراغي، عن عمر ناهز 89 عاما، قضاها وهو يحمل قفته المصنوعة من مادة "الدوم"، كل يوم في غدوه ورواحه إلى السوق الشعبي، ولقيا الأصحاب والأحباب، وحلمه الذي أخذه بين جنباته طبع "كتاب عن المدينة"، ظل يجمع تفاصيل معلومات، ومكتبة حافلة بالصور، منذ 50 سنة ويزيد.
حزن كبير انتشر في مدينة الورود، لرحيل أحد العارفين بعالم النبات والأكلات الشعبية العتيقة والموروثة، وحافظ البوقالات وراويها، وذاكرة حية لتقاليد وعادات البلدة، ومخزون من الصور والمعلومات التاريخية، ودليل المدينة، الذي كان يستقبل الضيوف من عمق جزائرنا ومن أعالي البحار، وكأنه شيخ قبيلة بأدغال افريقيا، أو مكتبة متنقلة، وعاشق الأناقة وربطة العنق، وفي جيبه على مر أيام العام، "فل وياسمين"، وباقة ورد كان يحملها لزوجته ورفيقة دربه التي التحق بها، في "اتيكيت" ساحر وجميل، تراه ومحياه تعلوه على الدوام بسمة، وذقن محلوق وشعر ممشوط في تسريحة فنية، اختلط بياضه بسواده، وبيده "قفة الدوم" لا تفارقه، "كان يعشق البليدة مثل الروح التي تسكنه".
عمي يوسف، الذاكرة التي كان يقصدها الطلبة والوفود الأجنبية، وكل من لديه مسألة وسؤال، رحل وحمل معه مشروع كتاب عن المدينة، لم يكتب له الميلاد والنور، وظل في قلبه كالغصة، يقول لـ"الخبر" أياما قبل وفاته، أنّه انتهى من تدوين معلومات جديدة، مزينة بصور تتحدث عن البليدة، وعن الطّفولة أيام الاستعمار والخراب، وعن عادات المدينة وأبوابها السبعة، وعن السلطان "بيونزا" المنفي من دولة البنين، نهاية القرن الـ19، بحي الدويرات العتيق، وكيف كانت سيدات المطبخ، يصنعنا ماء الورد والزهر، والمقرون الأعمى والقطايف، وأهم الأطباق الشعبية التقليدية، التي إختفت أو السائرة في طريق الإنقراض، مثل "القاضي وجماعته" و"سكران طايح في الدروج"، وعن الأجواء في رمضان وصلاة التراويح، و سهرات العائلات بالاحياء العتيقة، ويومياته فوق الخشبة ،مع عملاق أبي الفنون المسرح "محمد التوري"، وما عسانا القول الا الدعاء ، أن تغمره رحمات الرحمان الرحيم.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المحتوى