الوطن

"قانون الاسترداد الفرنسي اعتراف منقوص يعمق أزمة الذاكرة"

تشريع فرنسي يقر بأحقية المستعمرات السابقة في استرداد ممتلكاتها المنهوبة، لكنه يفرض قيودا صارمة تفرغه من محتواه.

  • 771
  • 3:11 دقيقة
صورة: الباحث في التاريخ حسني قيتوني
صورة: الباحث في التاريخ حسني قيتوني

يقدم الباحث في التاريخ حسني قيتوني، في هذا الحوار، قراءة نقدية للقانون الإطار المتعلق بالممتلكات التي نهبتها فرنسا من مستعمراتها، مبرزا كيف يلتف النص على الاستحقاق الجوهري المتمثل في اعتراف باريس بجرائم الاستعمار.

صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية، في 13 أفريل 2026، على القانون الإطار المتعلق بالممتلكات الثقافية المنهوبة في المستعمرات الفرنسية السابقة. إلى أي مدى تعتبر الجزائر معنية بهذا النص القانوني؟

تعد الجزائر، بلا شك، من أكثر الدول المعنية مباشرة بهذا القانون الإطار، نظرا لحجم عمليات السلب التاريخية التي كانت ضحية لها خلال الفترة الاستعمارية. ومع ذلك، فإن النص الذي اعتمده البرلمان الفرنسي يضع إطارا صارما للغاية لعمليات استرداد الممتلكات، حيث يحصرها في حالات محددة، وغالبا ما تكون مشروطة بمعايير قانونية وإدارية معقدة.

في هذا السياق، لا يتم التعامل مع الجزائر كحالة عامة تستوجب استردادا منهجيا وشاملا، بل كمجموعة من الطلبات المنفردة التي تدرس حالة بحالة. وهذا يقلل بشكل كبير من النطاق الملموس للنص. بعبارة أخرى، ورغم أهمية التراث الجزائري المحفوظ في فرنسا، سواء كان قطعا أثرية، أو أرشيفات، أو رفاتا بشرية، فإن القانون لا يستحدث آلية تلقائية للاسترداد، بل ينشئ نظاما انتقائيا يحافظ على عدم التكافؤ الموروث من الوضع الاستعماري.

في القانون الجديد، صنف المشرع الأشياء ضمن فئتين: الأشياء المسلوبة بطريقة غير مشروعة، والأشياء التي تعد "غنائم حرب" أو مأخوذة من العدو. تُعتبر الفئة الأخيرة بمثابة "شواهد نصر" للجيش الفرنسي، وبالتالي فهي غير قابلة للاسترداد. وضمن هذه الفئة، تم تصنيف ،على سبيل المثال، البنادق، والرايات، وكل الممتلكات التي أُخذت من الأمير عبد القادر. وهذا يوضح كيف أن القانون لا يهدف إلى مصالحة الذاكراتين، بل يميل إلى زيادة حدة الصراع بينها.

وصلت التوترات بين الجزائر وفرنسا إلى درجة بات معها من الصعب تصور مخرج للأزمة. في تقديرك، هل يقضي هذا النص على أي فرصة للتقارب بين البلدين؟ وهل يمكن ربط القيود التي يتضمنها بالأزمة الجديدة التي اندلعت في صيف 2024؟

 إن القول بأن هذا النص يقضي على كل إمكانية للتقارب سيكون حكما مبالغا فيه، لكنه يشكل بوضوح عاملا يؤدي إلى تفاقم انعدام الثقة. فهو يرسل إشارة غامضة: فمن جهة، يعترف ضمنيا بحدوث عمليات سلب، ومن جهة أخرى، يضع قيودا شديدة على إصلاح آثارها.

هذا التناقض يغذي شعورا لدى الجانب الجزائري بغياب الصدق في المسعى الفرنسي. وفي سياق مطبوع بالفعل بالأزمة التي اندلعت في صيف 2024، يظهر هذا النوع من النصوص لا كبادرة تهدئة، بل كمحاولة للسيطرة السياسية والقانونية على قضية ذاكرة حساسة.

لذلك، من الصعب عدم الربط بين القيود الواردة في القانون والمناخ السياسي المتوتر؛ إذ يبدو أن فرنسا تريد المضي قدما دون أن تلزم نفسها بمنطق التعويض الشامل، وهو ما يفسر في الجزائر على أنه رفض مبطن.

هل يمكن إقامة رابط بين هذه الخطوة التشريعية وقانون تجريم الاستعمار الذي اعتمده البرلمان الجزائري مؤخرا؟

نعم، ولكن هذه الصلة غير مباشرة أكثر مما هي سببية. فالمسعيان ينبعان من نفس التسلسل التاريخي المتميز بإعادة تفعيل قضايا الذاكرة، لكنهما يصدران عن منطقين متضادين. فبينما القانون الجزائري إلى تكريس إدانة صريحة للفعل الاستعماري في القانون، بوصفه جريمة، يتجنب القانون الفرنسي هذا المجال تحديدًا؛ إذ يتعامل مع التبعات المادية للاستعمار (الأملاك المسلوبة) دون مساءلة طبيعته الإجرامية.

لذلك، يمكن أن نرى في هذين النصين شكلا من أشكال "الحوار غير المتكافئ": أحدهما يبحث عن الاعتراف والتوصيف القانوني للجريمة، والآخر يفضل الإدارة التقنية والتراثية. وهذا التباين يفسر إلى حد كبير سوء الفهم المستمر بين البلدين.

في مقال لك نشرته في جريدة "الوطن"، قلت أن القانون الإطار بشأن الممتلكات المنهوبة يخفي رفضا فرنسيا لإدانة الاستعمار. كيف يشكل هذا النص، في نظرك، تملصا من الاعتراف بالجرائم الاستعمارية؟

يستند التحليل الذي اقترحته إلى فكرة مركزية: يعطي القانون الإطار انطباعا بالتقدم في مسألة استرداد الممتلكات، بينما يلتف في الواقع على الجوهر، وهو الاعتراف السياسي والأخلاقي بالظاهرة الاستعمارية كمنظومة قائمة على الاستيلاء والتحجيم.

في الواقع، يعزل النص قضية الممتلكات الثقافية عن سياقها التاريخي، ولا يسمي العنف الاستعماري صراحة كونه المولد الأساسي لهذه السرقات. وبقيامه بذلك، فإنه يحول قضية سياسية، وهي قضية الهيمنة الاستعمارية وجرائمها ، إلى مجرد مسألة تقنية تتعلق بإدارة التراث. هذا الانتقال من السياسي إلى التقني أمر جوهري؛ فهو يتيح للدولة الفرنسية أن تظهر كطرف فاعل.