أقلام الخبر

قوة عسكرية جزائرية إلى النيجر.. الدلالة والرسالة

  • 176
  • 3:26 دقيقة

القرار الذي اتخذته الجزائر بإرسال وحدة عسكرية إلى النيجر، بناء على طلب من هذا البلد المجاور لحماية المصالح المشتركة، يعد تطوراً لافتاً في المنطقة، وقد تكون له قراءات وتداعيات على مستويات الداخل والإقليم والخارج.

الخطوة جاءت بعد سلسلة أحداث متلاحقة ومتداخلة، تمثلت في سوء التفاهم الذي حدث مع دول الساحل وجرى احتواؤه سريعاً بالدبلوماسية، ثم الانتقال بمشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء إلى مراحل عملية متقدمة، وتزامن ذلك مع المحاولة الانقلابية الأخيرة في النيجر ما يعني تحركاً محتملاً لاستهداف المشروع الطاقوي الاستراتيجي، إضافة إلى بروز مؤشرات عن تمدد التوترات الجارية في الداخل الليبي جنوباً.

وأمام هذه المستجدات، برز التفكير الجزائري في الانتشار خارج الحدود حماية للأمن والاقتصاد، ليُمثّل أول تنزيل عملي للعقيدة الدفاعية الجديدة التي تبناها البلد عام 2020. ولاستكمال الغطاء القانوني، جرى طرح الموضوع أمام البرلمان بغرفتيه وتمريره بسهولة خلال الأيام القليلة الماضية.

هذه التطورات المتلاحقة، على مستويات التشريع والتحرك الميداني، جاءت لتعكس إدراكاً جزائرياً بأهمية التحوّلات والتحديّات، إذ لم تعد هناك حاجة لإثبات أن المفاهيم التقليدية الخاصة بالسيادة وعدم التدخل صارت من الماضي.

لكن الأهم ربما هي الرسائل الجيو-استراتيجية؛ ذلك أن القرار يعكس إحساس الجزائر بضرورة لعب دورها في المنطقة، وعدم تركها للفراغ أو لتدخلات أجنبية مشبوهة، خاصة بعد طرد الفرنسيين الذين كانوا يحتكرون السيطرة والوصاية لمصالحهم الخاصة، وأهمها نهب اليورانيوم.

تبرز أيضاً وسط هذا الزخم المتسارع للأحداث، رسائل ضمنية، مفادها أن بعض مصالح الداخل صارت تتطلب الحماية انطلاقاً من خارج الحدود الوطنية. بمعنى آخر، الجزائر تقول للعالم: "هذه حدودي وتلك ساحتي“. أما الرسالة الأخرى التي أرادت الجزائر إيصالها فهي: ”نحن قوة متوسطة النفوذ؛ نُوفّر الحماية للإقليم ولا نطلبها أو نريدها من خارجه“.

لكن رغم ذلك، فإن قرار إرسال مفرزة عسكرية واحدة، لا يعد سوى خطوة أولى وصغيرة؛ الأهم، في وجهة النظر الجزائرية، هو الوعي بأهمية البناء على هذا الانتشار،ومراجعته من حين لآخر، وعدم السماح بسقوط الدولة في النيجر وكل منطقة الساحل الهشة، مما يحوّلها إلى مرتع للإرهاب والتهريب والقوى الدولية البعيدة الباحثة عن موطئ قدم.

الأنظار تتركز الآن على التساؤل حول ما إذا كان القرار محصوراً في النيجر أم أنه مقدمة لتدخلات أوسع، خصوصاً مع تعدد الجبهات الساخنة المحيطة بالبلد.

القراءة الاستشرافية ربما تميل إلى أن الجزائر قد تكرر هذا الانتشار في النيجر نفسها ومناطق أخرى إذا اضطرت لذلك ولاقت موافقة من السلطات السياسية في البلدان المعنية وتنسيقاً معها. الأماكن الأخرى التي يُمكن فيها تكرار الخطوة فيها، هي مالي وليبيا.

فإذا كانت النيجر تمثل بعداً اقتصادياً للجزائر، بالنظر لمشروع أنبوب الغاز ومشاريع الطاقة الأخرى، فإن مالي لها بعد أمني قوي حيث تبرز مسألة الأزواد ونشاط الجماعات الإرهابية، بينما تجمع ليبيا بين أبعاد معقدة ومركبة، تطال الأمن والاقتصاد كما السياسة.

وكما هو متوقع ومفهوم، فإن هذا القرار غير المسبوق وجد، وقد يجد، ردود فعل.

فعلى مستوى الداخل، أثير جدل وسط المُكوّنات السياسية والإعلام حول ملابسات بلورة القرار وسرعة تمريره. وجهة النظر الطاغية في الداخل، ترى أن هذا الجدل صحي وطبيعي وأن المطلوب مستقبلاً هو فتح نقاشات أكثر عمقاً ومسؤولية بشأنه. التحولات الخارجية باتت تفرض مقاربة داخلية مختلفة مفادها أن مسائل الدفاع والأمن القومي لم تعد كما كان الشأن في السابق، منفصلة وبعيدة عن النقاشات العامة المعنية بالبناء الوطني.

ردود الفعل الخارجية ربما لم تظهر على الفور، لكن خطوة بهذا الحجم والرمزية (إخراج الجيش الجزائري خارج الحدود الوطنية لأول مرة منذ عام 1973)  لا يمكن أن تمر دون ارتدادات إقليمية ودولية.

ففرنسا قد تنظر إلى التحوّل بامتعاض خصوصاً أن المفرزة الجزائرية ستتمركز في ”قاعدة ماداما“ التي شيدتها القوات الفرنسية شمال النيجر قبل طردها من البلد. روسيا التي تنتشر في المنطقة عبر ”فليق أفريقيا/فاغنر سابقا) قد تتوجس هي الأخرى من هذا الانتشار المنافس. أما الولايات المتحدة، فرؤيتها قد تكون معقدة، فهي من ناحية ترى جوانب إيجابية تتمثل في سد فراغ يسهم في محاربة الإرهاب ويمنع الانهيار في الساحل ويحمي مصالح الطاقة الضرورية لأوروبا. وجهة النظر الطاغية في الغرب ترى أن الدور الجزائري في الإقليم طبيعي ومفيد للاستقرار العالمي.

أما ردود فعل دول الإقليم نفسه، فقد تأتي على شكل مزيج من الترحيب والتوجس، وتبدو الجزائر مدركة لحساسية تلك الحسابات، ولذلك فهي حريصة على ربط أي انتشار خارجي بالموافقة والتنسيق.

خلاصة القول..

الجزائر بقرارها الجديد تظهر أنها تنهج المرونة والبراغماتية ولا تريد البقاء حبيسة رؤى ومقاربة قديمة ومتصلبة. جوهر فلسفتها هو التأقلم مع التحوّلات والتحرك في عالم يتحرك هو الآخر بسرعة أكبر. البلد الذي يريد أن يصنع التاريخ، يتعين عليه أحياناً أن يتحمّل أعباء الجغرافيا التي ينتمي إليها.