زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر تتجاوز البعد الديني في طابعه البروتوكولي المعتاد في أي زيارة، فهي زيارة تجمع بين البعد الرمزي الديني والحسابات الجيوسياسية، بالنظر إلى الظرفية الدولية التي تُجرى فيها وأهمية ووزن الدولة المستقبِلة من الناحية التاريخية والثقافية، القادرة على لعب أدوار تتجاوز بعدها الجغرافي، ما يجعل هذه الزيارة استثنائية تتجاوز البعدين المكاني والزماني.
إن اختيار محطة الجزائر في هذا التوقيت لم يكن اعتباطيا من طرف بابا الفاتيكان، بل تقف وراءه العديد من المعطيات التي تنفرد بها الجزائر. فهي تأتي في ظرفية تتسم بحالة استقطاب شديدة على المستوى الدولي، ما يبرز الحاجة إلى بناء جسور بين الشمال والجنوب وبين الديانات، عبر الحوار القائم على التعايش وتقبّل الآخر وإفساح المجال لقيم السلام، وهي القيم التي كانت الجزائر دائما فضاء يؤسس لها وتسعى لإشاعتها إلى يومنا هذا.
فاختيار الجزائر يعزز هذا البعد الرمزي، بالنظر إلى تاريخها وأرضها التي كانت دائما مساحة رحبة انصهرت فيها الثقافات ومهدا لمراحل مشرقة من التعايش والتبادل الثقافي بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب. فهذه الأرض التي يشكّل المسلمون اليوم غالبية شعبها عرفت قبل الإسلام حضورا مسيحيا، وهي مسقط رأس القديس أوغسطين الذي يعد البابا ليون الرابع عشر أحد أبناء مدرسته الفكرية. ويعتبر أوغسطين أحد أبرز أعلام الفكر اللاهوتي في التاريخ وقد ولد في سوق أهراس (طاغاست قديما). ويمنح هذا البعد الثقافي والديني الجزائر مكانة كحاضنة لتعددية حضارية تمتد جذورها إلى قرون وفضاء للتعايش.
وقبل الإسلام، كانت الجزائر حاضنة للفكر المسيحي، من خلال إرث أوغسطين وكتاباته، وما يمثله بالنسبة للمسيحيين الكاثوليك. وبعد وصول الإسلام، أصبحت مركزا دينيا وعلميا مشعا، ولعل ما قدمته بجاية وتلمسان من علم وعلماء خير دليل على ذلك. كما كانت الجزائر "مكة الثوار" ومحجا للباحثين عن الحرية والاستقلال من مختلف أصقاع العالم، حيث تعايشت على أرضها مختلف الثقافات والديانات ووجد فيها الباحثون عن الحرية ضالتهم، وكلها شكلت مساهمات كبيرة يشهد لها التاريخ الإنساني الديني والعلمي والثقافي.
إن قيم التعايش التي أصبحت اليوم مطلبا ملحا ومأملا لكل القلوب التواقة إلى السلام تكتسب أهمية خاصة، في وقت اتسعت دائرة الحروب وتغولت فيه آلة القتل.
وتأتي هذه الزيارة كتذكير للعالم بأهمية العودة إلى رسائل التآخي بين الشعوب والديانات وتقبّل الآخر بعيدا عن منطق الإقصاء والهيمنة، وهي القيم التي يدافع عنها الفاتيكان في ظل قيادته الحالية، التي تسعى إلى أن يكون لها صوت ضد إشعال الحروب، كما تعكسه مواقفه من حرب غزة وقضايا الهجرة والمناخ، وهي ذات القضايا التي تناضل من أجلها الجزائر بشكل نشط، وهو ما تجلّى خلال عضويتها في مجلس الأمن، حيث تم اختيار دبلوماسيها عمار بن جامع دبلوماسي السنة، عرفانا بهذا الدور.
وعليه، فإن هذه الزيارة تعزز دور الجزائر كلاعب ذي خصوصية في المشهد الدولي، كفاعل مستقل وهادئ ومدافع عن قيم العدالة والمساواة، وهو خطاب يتقاطع مع توجهات الفاتيكان في قضايا الهجرة والمناخ والنزاعات الدولية، خاصة أن الفاتيكان، رغم طابعه الديني، يعد صوتا مهما ومؤثرا في المنظومة الدولية.
اختيار بابا الفاتيكان الجزائر كوجهة، وفي هذا التوقيت تحديدا، يعد اعترافا بكل هذه الأدوار وبالإرث التاريخي والثقافي الذي تتميز به الجزائر، ويؤهلها للعب دور محوري في ترسيخ هذه القيم وتعزيزها، وهو ما يجعل هذه الزيارة استثنائية، تتجاوز البعد البروتوكولي للزيارات الرسمية، لتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون على أسس صلبة، تستمد قوتها من هذا الإرث التاريخي والثقافي والحضاري الذي تزخر به الجزائر، الذي يجعلها اليوم قادرة على لعب هذا الدور بما تملكه من مقومات وأدوات لتقديم القيمة المضافة المطلوبة.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال