الوطن

"الحزم" ضد تهديدات الساحل

الجزائر تتبنى مقاربة استباقية لحماية أمنها ومصالحها الاستراتيجية.

  • 869
  • 4:08 دقيقة
الصورة: رئاسة الجمهورية
الصورة: رئاسة الجمهورية

تتجه الجزائر إلى تشديد مقاربتها تجاه التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، في ظل تصاعد التجاذبات الجيوسياسية وتزايد المخاطر التي تهدد استقرار محيطها الجنوبي ومصالحها الاستراتيجية.

وتعكس تصريحات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بشأن التطورات في النيجر ومالي، إلى جانب مواقف قيادة الجيش الوطني الشعبي، توجها نحو الجمع بين الحزم في حماية الأمن القومي ومواصلة التحرك الدبلوماسي والتعاون الإقليمي، دون التخلي عن مبادئ احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية.

وتبرز ملامح هذا التوجه في حديث الرئيس تبون، خلال لقائه الإعلامي الدوري، عن تجربة عام 2012 في شمال مالي، عندما ظهرت تنظيمات مسلحة، من بينها حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا التي اختطفت دبلوماسيين جزائريين من القنصلية الجزائرية بمدينة غاو، قبل اغتيال اثنين منهم. وأشار الرئيس إلى وقوف دولة أجنبية (المغرب) وراء إنشاء التنظيم الذي نفّذ العملية، محذرا من تكرار سيناريوهات مماثلة، ومؤكدا أن الظروف تغيرت، وكذلك طريقة تعامل الجزائر معها.

ولم تقتصر تحذيرات تبون على نشاط الجماعات المسلحة، بل امتدت إلى دور أطراف أجنبية (قليلة التعداد السكاني –الإمارات) في تغذية الاضطرابات، من خلال إنشاء تنظيمات مسلحة والاستعانة بمرتزقة من جنسيات مختلفة، في إشارة إلى تداخل الحسابات الإقليمية والدولية في منطقة الساحل وتحول الأزمات الأمنية إلى مجال للتنافس على النفوذ.

وتكتسي هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى تأكيد رئيس الجمهورية أن الجزائر لن تتعامل مع التطورات الراهنة بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع أحداث سابقة، وهو ما يعكس توجها نحو مزيد من الحزم في مواجهة ما تراه تهديدا لأمنها ومصالحها، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الأدوات الدبلوماسية أو المبادئ التي تحكم سياستها الخارجية (مثلما أكده وزير الخارجية أحمد عطاف من مبنى الأمم المتحدة الأسبوع الماضي).

النيجر.. أمن المحيط الجنوبي في صلب الحسابات

شكّل حديث تبون عن النيجر أحد أبرز المؤشرات على هذا التوجه، بعدما كشف عن إرسال طائرات مقاتلة على خلفية تطورات أمنية شهدتها العاصمة نيامي، معتبرا أن توقيت تلك التطورات (محاولة الإنقلاب) يثير تساؤلات بشأن الجهات التي تقف وراءها، وواصفا ما حدث بأنه استفزاز للجزائر.

وتعكس تصريحات الرئيس تشديد الربط بين استقرار دول الجوار والأمن القومي الجزائري، في ظل العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الجزائر والنيجر، وما تفرضه من مصالح مشتركة تتجاوز الجانب الأمني إلى التعاون الاقتصادي والطاقوي ومشاريع البنية التحتية.

وفي هذا السياق، أكد تبون وقوف الجزائر إلى جانب النيجر واستعدادها للدفاع عن أصدقائها ومصالحها المشتركة معهم، مذكرا بأن الدستور الجزائري يتيح، ضمن شروط محددة، مشاركة الجيش الوطني الشعبي خارج الحدود.

غير أن هذه الإشارات، على أهميتها السياسية، لا تكفي وحدها للجزم بحدوث تحول نهائي في العقيدة العسكرية الجزائرية، بقدر ما تعكس تشديدا في الرسائل الموجهة إلى الأطراف التي قد تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة.

وبحسب متابعين لا تنفصل هذه الحسابات عن المصالح الاقتصادية والطاقوية التي تراهن الجزائر على تطويرها مع النيجر، من خلال مشاريع التعاون في المحروقات والمناجم والبنية التحتية، فضلا عن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء. فمن شأن أي اضطراب أمني مستدام في المنطقة أن ينعكس على فرص تجسيد هذه المشاريع وعلى مساعي الجزائر لتعزيز حضورها الاقتصادي والإقليمي في العمق الإفريقي.

الدبلوماسية والتعاون العسكري أدوات موازية للردع

وبالتوازي مع الرسائل التي حملتها تصريحات رئيس الجمهورية، تؤكد مواقف قيادة الجيش الوطني الشعبي استمرار الجزائر في اعتماد المساعي الدبلوماسية والتعاون العسكري ضمن جهود استعادة الأمن والاستقرار في منطقة الساحل.

وكان الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، قد أكد العام الماضي 2025 خلال افتتاح ملتقى حول التحديات الأمنية والتنموية في الساحل الإفريقي في ظل التجاذبات الجيوسياسية، أن الجزائر تبذل جهودا لاستعادة السلم والاستقرار في إفريقيا، متمسكة بمبادئ سياستها الخارجية وفي مقدمتها الاحترام المتبادل وحسن الجوار ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها ووحدتها الترابية.

وشدد المسؤول العسكري على أفضلية الحلول السلمية للأزمات، وتشجيع الحوار والمفاوضات، إلى جانب العمل على تطوير مقاربات إقليمية تسمح بتجاوز الخلافات وتحصين المنطقة من التهديدات الأمنية.

وعلى الصعيد العملياتي، أبرز المسؤول العسكري أهمية تعزيز القدرات الدفاعية لدى الشركاء والجيران في الساحل، من خلال برامج التعاون العسكري الثنائي والتكوين لفائدة القوات المسلحة لدول المنطقة، فضلا عن التعاون في مجال مكافحة الإرهاب عبر لجنة الأركان العملياتية المشتركة، بما يدعم قدرات الدول على التكفل بتحدياتها الأمنية، مع احترام سيادتها.

الساحل امتداد للأمن القومي الجزائري

ولا تفصل الجزائر بين المعالجة الأمنية للأزمات في الساحل ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ تؤكد قيادة الجيش الوطني الشعبي، أن استقرار دول المنطقة يمثل امتدادا للأمن القومي الجزائري، وأن مواجهة الإرهاب والتطرف تستوجب تعزيز التعاون الإقليمي وتوفير الظروف التي تسمح لشعوب المنطقة بالعيش بكرامة داخل أوطانها.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور الذي تضطلع به الجزائر في تقديم المساعدات الإنسانية وتمويل مشاريع تنموية ذات بعد إقليمي، بهدف تعزيز التضامن مع شعوب الساحل وفتح آفاق اقتصادية جديدة والحد من الظروف التي تستغلها الجماعات المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة لتوسيع نشاطها.

كما شدد شنقريحة، خلال زيارته إلى الناحية العسكرية الثالثة ببشار قبل يومين، على أهمية مشاريع البنية التحتية المشتركة وفتح آفاق اقتصادية وتنموية جديدة، بما يسهم في تحصين المجتمعات من الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة.

وتأتي هذه الرسائل في سياق تصاعد التنافس الجيوسياسي على منطقة الساحل، حيث تسعى أطراف خارجية إلى توسيع نفوذها وتعزيز حضورها المريب. وفي مواجهة هذه التحولات، تبدو الجزائر وفق تصريحات قيادتها حريصة على تطوير مقاربتها تجاه محيطها الجنوبي، من خلال تشديد رسائل الردع وحماية المصالح الاستراتيجية، مع مواصلة التحرك الدبلوماسي والتعاون الإقليمي، والإبقاء على التنمية ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار المستدام.