المحاجيات من أقدم وأغنى أشكال التراث الشعبي الجزائري، إذ شكلت لسنوات طويلة فضاء للتسلية الذكية ونقل الحكمة الشعبية عبر الأجيال. فقد ارتبطت هذه الألغاز الشفوية بالمجالس العائلية والسهرات الشتوية والرمضانية، حيث كانت الكلمات البسيطة تحمل في طياتها جمالاً لغوياً وذكاءً جماعياً يعكس عمق الذاكرة الشعبية، ويمنح نوعاً من السعادة للحياة بين العائلة والأصدقاء والجيران.
في زمن كانت فيه السهرات العائلية هي الوسيلة الأساسية للتواصل، شكلت الألغاز والحكايات الشعبية في المجتمع الجزائري ركيزة مهمة من ركائز التراث الثقافي الشفهي، ووسيلة فعالة لنقل القيم والحكمة من جيل إلى آخر.
هذا الموروث الذي تناقلته الألسن عبر القرون لا يزال شاهداً على غنى الهوية الجزائرية وتنوعها. كما ساهمت هذه الحكايات في خلق جو من التنافس الإيجابي بين أفراد المجتمع كباراً وصغاراً؛ فلم تكن مجرد وسيلة للضحك أو التسلية، بل أدت دوراً تربوياً وثقافياً مهماً، مساهمة في تنمية الذكاء وتطهير الذهن وتعزيز سرعة البديهة مع تعليم القيم.
وشكلت النكت الشعبية، بدورها، ركيزة أساسية في تقوية الروابط الاجتماعية وجسراً للتواصل بين الأجيال داخل الأسرة الواحدة.
واحتلت الحكايات الشعبية والألغاز مكانة بارزة في الذاكرة الجماعية للجزائريين، إذ كانت تُروى شفهياً بأسلوب بسيط ومشوق، وتبدأ غالباً بعبارات تقليدية توحي بدخول عالم الخيال. ورغم ما تحمله من عناصر خيالية، إلا أن هذه الحكايات كانت تعكس واقع المجتمع، وتعالج قضايا مثل الصبر والعدل والصراع بين الخير والشر.
وتعد شخصيات مثل "جحا" و"الغولة"، واستعمال مدخل "حاجيتك ما جيتك"، من أبرز الرموز التي استخدمت في السخرية والدهاء لإيصال الرسائل الأخلاقية. تُطرح المحاجيات في الغالب بأسلوب غامض يعتمد على التشبيه واللعب بالألفاظ، ما يدفع المستمع إلى التفكير وربط المعاني للوصول إلى الحل.
وغالباً ما يكون الجواب مستمداً من الحياة اليومية، وهو ما جعل هذا اللون التراثي قريباً من الناس وعنصراً جامعاً حتى للمتخاصمين، ومعبراً عن بيئتهم وثقافتهم.
وتختلف صيغ المحاجيات في الجزائر من منطقة إلى أخرى تبعاً للهجة والعادات المحلية، ما يعكس التنوع الثقافي الغني داخل المجتمع الجزائري.
وفي الوقت الحالي، نجد أن هذا الموروث الشفهي بدأ يتراجع بشكل ملحوظ في ظل الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي قضت على طابع الترفيه والتواصل داخل البيوت. وأصبحت المحاجيات حكراً على كبار السن في غياب المستمع، حيث حل الصمت محل النقاش، واستُبدلت الحكايات والمحاجيات بشاشات مضيئة ومحتويات سريعة الاستهلاك، ما ساهم في ضياع جزء مهم من الألغاز والنكت الشعبية التي كانت تروى شفهياً.
ورغم هذا التراجع، لا تزال المحاجيات تحظى باهتمام الباحثين والمهتمين بالتراث الشعبي، باعتبارها جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية الجزائرية؛ حيث إن توثيق هذا الإرث وإدماجه يعد ضرورة لحمايته من الاندثار، ولإعادة الاعتبار لذاكرة شعبية شكلت يوماً ما حكمة جماعية.
قناة "العباسية".. الحكاية الشعبية الجزائرية بروح رقمية
تعد قناة "العباسية" على منصة "يوتيوب" ابتكاراً جديداً لإحياء هذا التراث الشعبي الجزائري باستعمال التكنولوجيا؛ فهي تروي قصصاً تتداخل ما بين الواقع والخيال، تسرح بذهن المستمع والمتفرج بعيداً وكأنه يعيش مع شخصيات الحكاية.
وتعتبر هذه المبادرة نادرة الوجود مقارنة بالعدد الهائل من القنوات المتخصصة عبر الفضاء الرقمي.
وقد برزت قناة "العباسية" كنموذج فريد يعيد إحياء الحكاية الشعبية الجزائرية بأسلوب معاصر يجمع بين التراث والتكنولوجيا، معتمدة على السرد الصوتي فقط دون إظهار صورة الراوية، مما يفتح المجال أمام المستمع ليغوص في تفاصيل الحكاية ويتخيل الأحداث وكأنه يعيش داخلها.
تُروى هذه القصص بلهجة سكان الغرب الجزائري وبطابع محلي أصيل، حيث تتنوع القصص التي تقدمها القناة بين الواقع والافتراضي، وبأبعاد اجتماعية ونفسية وإنسانية مستلهمة أحياناً من فترات ليست ببعيدة في التاريخ الوطني. وتمتد بعض الحكايات إلى أكثر من 120 دقيقة.
ولم يقتصر حضور "العباسية" على يوتيوب فقط، بل عززت تواجدها عبر منصات أخرى كإنستغرام وتيك توك، ما ساهم في توسيع قاعدة جمهورها التي تجاوزت 500 ألف مشترك، مع تحقيق آلاف الإعجابات والتفاعلات على مختلف المقاطع المنشورة.
ومن بين أبرز الأعمال التي لاقت رواجاً واسعاً لدى المتابعين: "سعاد اللي ما تقدرش تسامح"، "محمد خو الشيرات"، "قرية ولاد بعشرة"، "عنبر"، "ذكريات جندي"، "البرجوازية المجنونة"، "خالتي الزهرة"، "سبابنا بويا" وغيرها من العناوين التي تؤكد أن التراث الشعبي، مهما كان بسيطاً، يمكن استعادته حين نحسن تقديمه بلغة العصر.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال