صحة

ارتفاع معدلات العدوى في الإنعاش والجراحة

حسب تحقيق وطني أنجزه المعهد الوطني للصحة العمومية.

  • 1028
  • 3:38 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

يقدم آخر تحقيق وطني أنجزه المعهد الوطني للصحة العمومية صورة دقيقة ومحيّنة حول واقع العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية داخل المراكز الاستشفائية الجامعية في الجزائر، إلى جانب تحليل معمق لأنماط استخدام مضادات الميكروبات، حيث سُجلت أعلى معدلات العدوى في أقسام الإنعاش بنسبة 13.9 بالمائة، تليها أقسام الجراحة بنسبة 7.0 بالمائة، ثم التوليد بنسبة 5.0 بالمائة، وأقسام الطب العام بنسبة 3.5 بالمائة.

ويهدف هذا العمل إلى تقييم مستوى المخاطر، وقياس مدى الالتزام بالممارسات العلاجية السليمة، بما يدعم تحسين جودة التكفل بالمرضى وتعزيز جهود الوقاية من العدوى ومكافحة مقاومة المضادات الحيوية.

ويأتي هذا التحقيق في إطار تعاون علمي بين خبراء في علم الأوبئة وممثلين عن المدراء العامين للمراكز الاستشفائية الجامعية الـ16، وبمشاركة طاقهم الإداري، إلى جانب ممثلين عن منظمة الصحة العالمية، ضمن مسعى وطني لإرساء نظام متكامل لمراقبة العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية ومقاومة مضادات الميكروبات، وفقا لتوصيات منظمة الصحة العالمية والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها.

هيمنة للالتهابات الجراحية والتنفسية

وأظهرت نتائج التحقيق أن معدل الانتشار العام للعدوى المرتبطة بالرعاية الصحية بلغ 6.0 بالمائة، أي ما يعادل 312 مريضا من أصل 5177 حالة خضعت للدراسة، مع تسجيل 328 حالة عدوى، بمعدل 1.05 عدوى لكل مريض مصاب. كما تبين أن 95 بالمائة من المرضى المصابين كانوا يتلقون علاجا بالمضادات الميكروبية.

وتصدرت التهابات موقع الجراحة قائمة أنواع العدوى الأكثر شيوعا بنسبة 29.3 بالمائة، تلتها التهابات الجهاز التنفسي السفلي بنسبة 23.2 بالمائة.

وسجلت أعلى معدلات العدوى في أقسام الإنعاش بنسبة 13.9 بالمائة، تليها أقسام الجراحة بنسبة 7.0 بالمائة، ثم التوليد بنسبة 5.0 بالمائة، وأقسام الطب العام بنسبة 3.5 بالمائة.

كما هيمنت التهابات الجهاز التنفسي في أقسام الإنعاش بنسبة 46.6 بالمائة، في حين شكلت التهابات موقع الجراحة النسبة الأكبر في أقسام الجراحة والتوليد بنسبة 70.9 بالمائة.

عوامل خطر واضحة

جغرافيا، سجلت منطقتا الشرق والغرب أعلى معدلات انتشار بنسبة 7.0 بالمائة لكل منهما، فيما تصدر المركز الاستشفائي الجامعي لتلمسان القائمة بنسبة 10.8 بالمائة.

كما حدد التحقيق أبرز عوامل الخطر، وعلى رأسها الإقامة الاستشفائية التي تتجاوز 7 أيام، إضافة إلى نقص المناعة وسوء التغذية، فيما أظهرت مختلف التدخلات الجراحية ارتباطا بارتفاع خطر العدوى، باستثناء جراحة العيون.

استعمال واسع للمضادات الحيوية 

في ما يتعلق باستخدام مضادات الميكروبات، أظهرت النتائج أن 54.6 بالمائة من المرضى كانوا يتلقون علاجا مضادا واحدا على الأقل، بإجمالي 4498 وصفة، وبمعدل 1.59 دواء لكل مريض.

وتوزعت دواعي الاستعمال بين علاج العدوى المكتسبة من المجتمع بنسبة 52.7 بالمائة، والعدوى المرتبطة بالرعاية الصحية بنسبة 10.3 بالمائة، إضافة إلى الوقاية الجراحية بنسبة 24.4 بالمائة، مع تسجيل لافت لاستعمال الوقاية الجراحية المطولة لأكثر من يوم واحد بنسبة 76.6 بالمائة.

وسجل التحقيق أيضا مستويات مقلقة من مقاومة المضادات الحيوية، في حين أظهرت النتائج نوعا من التجانس في أنماط الوصفات العلاجية بين مختلف المناطق، ما يعكس نمطا موحدا في الممارسة السريرية رغم اختلاف السياقات المحلية.

نحو نظام وطني للمراقبة 

وانطلاقا من هذه النتائج، أوصى الخبراء بحزمة من الإجراءات الإستراتيجية، ترتكز على ستة محاور رئيسية، تشمل الحوكمة، تعزيز الموارد البشرية، تطوير البنى التحتية، تحسين الممارسات السريرية والتشخيص، ترشيد استعمال المضادات الحيوية، وتقوية أنظمة المعلومات والمراقبة والتقييم.

وتؤكد هذه النتائج الحاجة إلى انتقال سريع نحو مرحلة التنفيذ، من خلال اعتماد حزمة من التدابير الإستراتيجية على المستوى الوطني والمؤسساتي.

وفي هذا الإطار، ينتظر من وزارة الصحة إعداد إستراتيجية وطنية خماسية خاصة بالوقاية من العدوى وترشيد استعمال مضادات الميكروبات، تتضمن أهدافا قابلة للقياس، وجدولا زمنيا دقيقا للتنفيذ، ومؤشرات أداء واضحة، إلى جانب آلية تقييم مستقلة. كما يوصى بإدماج هذه الإستراتيجية ضمن مخطط وطني شامل لمكافحة مقاومة المضادات الحيوية، بما يضمن تنسيق الجهود بين الوقاية من العدوى والتصدي لظاهرة المقاومة.

وعلى المستوى المؤسساتي، يتعين على كل مؤسسة استشفائية، عمومية كانت أو خاصة، إنشاء لجنة فعالة لمكافحة العدوى (CLIN)، تتمتع بصلاحيات واضحة وهيكلة عملية تضم فريقا متخصصا، مع تخصيص ميزانية مستقلة ومنحها سلطة تنظيم مسارات التكفل داخل المؤسسة.

وتكلف هذه اللجنة بإعداد خطة عمل سنوية، وتنظيم تدقيقات دورية، وإعداد تقرير سنوي يُرفع إلى السلطات الوطنية المختصة، بما يضمن المتابعة والتقييم المستمر.

كما يشكل تحيين المرجعيات الوطنية وتوحيدها ركيزة أساسية لنجاعة سياسات الوقاية من العدوى داخل المؤسسات الصحية.

ويستوجب ذلك مراجعة هذه المعايير بما يتماشى مع توصيات منظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض، خصوصا في مجالات نظافة اليدين، والتعرضات العرضية للدم، والوقاية من الالتهابات البولية والتنفسية، وعمليات التعقيم، وتسيير النفايات، والمراقبة البيئية، والتحكم في مخاطر العمليات الجراحية.

ويُعد تعميم هذه المعايير وضمان تطبيقها الميداني الصارم والمتواصل، حسب التحقيق، شرطا أساسيا لترسيخ ثقافة السلامة داخل المؤسسات الصحية، وتحسين جودة الرعاية، والحد من مخاطر العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية.

في الأخير، يؤكد التحقيق أن هذه المعطيات تشكل قاعدة أساسية لبناء نظام وطني مستدام للمراقبة والتقييم، وتحسين فعالية التدخلات الوقائية، وتعزيز الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية داخل المؤسسات الصحية.