مجتمع

عائلات تبكي منازلها المحترقة

جيجل..عودة مؤلمة إلى الديار وتضامن يخفف المعاناة

  • 504
  • 4:04 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

مع إخماد وانطفاء كافة الحرائق التي نشبت عبر ربوع ولاية جيجل عادت، أمس، الكثير من العائلات التي نجت من "المحرقة"، سواء تلك التي تم إجلاؤها إلى العشرات من المراكز أو التي فرت بأجسادها، عادت لتفقد منازلها وأملاكها، فاصطدمت بواقع مأساوي لمشاهد مرعبة ومناظر لا تسر الناظرين، ستبقى راسخة في أذهانها إلى الأبد.

الساعة كانت تشير إلى العاشرة من صبيحة أمس، كل الطرق المؤدية إلى المناطق المتضررة، خاصة الطريق الوطني رقم 77 الذي يصل بلدية تاكسنة، الطريق الولائي "135 ب" المؤدي إلى بلديات الشحنة، أولاد عسكر، بوراوي بلهادف والعنصر، وكذا الطريق الولائي "135 أ" العابر لبلدية برج الطهر، والطريق الولائي "135 ج" المؤدي إلى الجمعة بني حبيبي، كانت مكتظة عن آخرها بالسيارات ومختلف أنواع المركبات، سواء تلك التي كانت تحمل المساعدات أو التي تقل عائلات قررت العودة إلى مشاتيها المنكوبة، وهي التي مكثت لثلاثة أيام في مؤسسات تربوية ومراكز للتكوين المهني وبعض دور الشباب والمساجد.

المشهد كان ممزوجا بين الديناميكية الكبيرة والأجواء الحماسية التي صنعها المتطوعون ومرافقو قوافل الإغاثة وحالات الترقب الممزوجة بالحزن، التي بدت على وجوه المتضررين رجالا ونساء وأطفالا.. في قرية تسبيلان ببلدية الجمعة بني حبيبي الأكثر تضررا كانت امرأة طاعنة في السن تجلس على الأرض المتسخة بالرماد، يداها على خديها تستعيد ذكرياتها التي عاشتها على مدار عقود من الزمن بالمكان، وهناك رجل بوجهه الشاحب يدخل منزله الذي تحول إلى ركام وهو يسير بخطى متثاقلة، يحدق في زوايا غرفه بعينيه اللتين تذرفان دمعا، عله يعثر ولو على شيء صغير من أغراضه وأغراض أفراد عائلته قد يكون نجا من اللهب.

وبين هذا وذاك راحت الكثير من العائلات تبحث عن آثار منازل وأشجار معمرة لم يبق منها إلا السواد. يقول "عماد"، شاب في مقتبل العمر، وهو ينهمر بكاء: "الكثير من سكان القرية من الناجين يعيشون على وقع الصدمة.. صدمة توديعهم الكثير من ذويهم المتوفين وصدمة فقدانهم منازلهم وأملاكهم التي عاشوا وترعرعوا بين أحضانها". وأضاف: "هناك بعض ممن لم يتمالكوا أنفسهم وهم يشاهدون هاته المشاهد، فسقطوا مغمى عليهم بمجرد رؤية أملاكهم التي فقدوا معالمها.. من المستحيل أن تستعيد القرية عافيتها واخضرارها وتعود الحياة الطبيعة إليها كما كانت".

وفي زاوية أخرى من هاته الأرض المحروقة شوهد قطيع من الأبقار، بعضها تبدو عليها آثار الحروق، إنها قلة قليلة من المواشي التي نجت من المأساة التي أتت على الآلاف من الرؤوس، يشير ذلك الشاب، كانت تبحث عن ما تبقى من مأكل وسط فضاء فقد خضرته في رمشة عين.  

عدد المتوفين في ارتفاع

يعرف عدد الضحايا المتوفين من جراء الحرائق بالولاية ارتفاعا يوما بعد يوم، حيث تم في اليومين الماضيين العثور على جثث لأشخاص آخرين لقوا حتفهم، وذلك خلال عمليات البحث والتمشيط التي قامت بها مصالح الحماية المدنية وأفراد الجيش الوطني الشعبي والمواطنين، التي تواصلت أمس عبر مختلف المشاتي والغابات المتضررة، بعد تسخير فرق متخصصة مدعومة بإمكانيات مادية وبشرية كبيرة وكلاب مدربة.

كما التحق شخصان آخران من المصابين بقائمة المتوفين متأثرين بجراحهما، ويتعلق الأمر بأحد أعضاء المجلس الشعبي البلدي لبلدية الجمعة بني حبيبي عن حركة مجتمع السلم، الذي كان قد فقد ابنه وأصيب بحروق من الدرجة الثالثة وهو يقوم بتقديم المساعدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وكذا طفل يبلغ من العمر تسع سنوات، كان قد أصيب بحروق في قرية تاغراست ببلدية برج الطهر، ليلتحق بـ14 من عائلته الذين فقدوا في الحرائق التي شهدتها المنطقة والذين تم تشييع جثامينهم على مستوى مقبرة القرية ومقبرة الخروب بولاية قسنطينة.

إصلاح شبكات الكهرباء والمياه

من جانب آخر شرعت مصالح شركة سونلغاز في عمليات واسعة لإصلاح وترميم شبكات الكهرباء التي تضررت من جراء الحرائق عبر مختلف بلديات ولاية جيجل، وذلك ضمن إجراءات استعجالية تهدف إلى إعادة التيار إلى المناطق المتضررة.

وأشارت مصالح شركة توزيع الكهرباء والغاز بجيجل إلى أن فرقها التقنية المدعمة بالمقاولات المتعاقدة مع المديرية وكذا فرق الدعم التابعة لبعض الولايات، على غرار قسنطينة، عنابة وباتنة، تواصل عملها الميداني لإصلاح الأضرار المسجلة بالشبكات والمتمثلة، خاصة، في إتلاف الكوابل ذات التوتر المنخفض والمتوسط وبعض التجهيزات، على غرار المحولات وكذا الأعمدة.

وأضافت أن عمليات التدخل خلال اليومين الماضيين شملت الكثير من المناطق الواقعة ببلديات برج الطهر، الشقفة، أولاد عسكر، بوراوي بلهادف، سيدي معروف، الجمعة بني حبيبي وأولاد يحي خدروش، حيث تم إعادة التيار إلى عدد من القرى والمشاتي المتضررة وإرجاع الشبكات إلى وضعها الطبيعي، على أن تشمل الإصلاحات والترميمات كافة المناطق التي مستها الحرائق، حيث تم إعطاء الأولوية للتجمعات السكنية التي شهدت توقفا أو اضطرابات في التموين بالطاقة.

من جهتها، تواصل وحدة الجزائرية للمياه عملياتها الميدانية لإصلاح الأضرار التي لحقت بشبكات التزود بالمياه الصالحة للشرب، عبر مختلف مناطق الولاية. وأكدت مصالح الوحدة، التي تدعمت بوسائل مادية وبشرية من ولايات أخرى، أنها تقوم منذ اندلاع الحرائق بتدخلات لإصلاح وترميم العديد من الأضرار والمتمثلة، خاصة، في احتراق أجزاء كبيرة من قنوات التوزيع والجر.

وأضافت أن عمليات التدخل شملت العديد من البلديات المتضررة، على غرار تاكسنة، قاوس، زيامة منصورية، أولاد يحيى خدروش، سيدي معروف، أولاد رابح، الشحنة، العنصر، بوراوي بلهادف، أولاد عسكر، سلمى بن زيادة وبرج الطهر.

كما تجري بالموازاة مع ذلك عملية تموين السكان الذين يتواجدون في المناطق المتضررة بالمياه عن طريق الصهاريج المتنقلة، ضمن مخطط استعجالي تم تدعيمه هو الآخر بشاحنات إضافية من ولايات أخرى.

وكان وزير الري لوناس بوزڤزة قد أسدى، أول أمس، تعليمات لمسؤولي القطاع، تقضي بضمان استمرارية تزويد المواطنين المتضررين من الحرائق بمياه الشرب.