مجتمع

كيف غيّرت الهواتف الذكية علاقة الجزائريين بكرة القدم

من “اللمة” الجماعية إلى الشاشة الصغيرة.

  • 631
  • 2:33 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم تعد كرة القدم في الجزائر تُتابَع بالطريقة ذاتها التي عرفتها الأجيال السابقة، فسواء تعلق الأمر بمباريات المنتخب الوطني في كأس إفريقيا للأمم، أو بالبطولات الأوروبية الكبرى، أو بكأس العرب وكأس العالم، فإن العادة التي صنعت “اللّمة” الجماعية بدأت تتراجع، لتحل محلها متابعة فردية فرضتها الهواتف الذكية وتغيّرات الحياة اليومية.

لطالما شكّلت مشاركة المنتخب الوطني الجزائري في “الكان” موعدًا وطنيًا بامتياز. كانت البيوت تفتح أبوابها على مصراعيها، والمقاهي تمتلئ عن آخرها، وتتوقف الحركة في الشوارع مع صافرة البداية. لم تكن “لمة متابعة لقاء الخضر جماعة” مجرد متابعة مباراة، بل طقسًا اجتماعيًا يوحّد الجزائريين على اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم، الفوز كان فرحة جماعية، والهزيمة كانت سببًا للنقاش والجدل لساعات طويلة، تتخللها ضحكات ونكات، وأحيانًا تعليقات ساخرة لا تُنسى.

ولم تقتصر هذه الأجواء على “الكان” فقط، بل امتدت لتشمل البطولات الأوروبية الكبرى مثل دوري أبطال أوروبا، حيث كانت المقاهي تتحول إلى مدرجات شعبية تعجّ بالمشجعين، وتغدو ساحات نقاش وتحليل فني، أما كأس العالم وكأس العرب، فكانا يشكّلان قمة هذه التجمعات، حيث تتلاشى الفوارق الاجتماعية وتتحد العائلة والجيران حول شاشة واحدة، لتصبح كرة القدم لغة مشتركة بين الجميع.

يسترجع أحد المشجعين تلك المرحلة قائلاً: “كنا نبرمج أيامنا حسب المباريات، سواء للمنتخب الوطني أو للأندية الأوروبية. المقاهي كانت تعيش أجواء لا تُنسى، تشبه الملاعب بكل ما فيها من حماس وصرخات”. ويضيف آخر: “حتى من لا يتابع الكرة بانتظام، كان ينجذب للأجواء، خاصة في كأس إفريقيا. كانت لحظات توحّد، لم نعد نجدها اليوم بنفس الشغف”.

وكانت العادة في السابق أن يدعو الأصدقاء بعضهم بعضًا لمتابعة المباريات في بيت أحدهم على شاشة كبيرة، لتتحول الغرفة إلى ملعب مصغر يعج بالحماس والتفاعل. لكن اليوم، أصبحت القلة القليلة فقط هي التي تحافظ على هذه العادة، غالبًا ضمن بعض العائلات التي تحرص على مشاهدة المباريات جماعة.

مع انتشار الهواتف الذكية وتطبيقات البث المباشر، أصبح المشجع يعتمد على متابعة المباريات بشكل فردي، صامتة في الغالب، يرافقها التركيز على صوت المعلّق الرياضي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من تجربة المشاهدة. الهاتف أصبح نافذة المشجع نحو الملاعب، حتى المباريات الكبرى باتت تُتابع بأصابع على شاشات صغيرة، في الحافلة، في العمل، أو أثناء التنقل.

هذا التحول انعكس مباشرة على أصحاب المقاهي، الذين كانوا يعوّلون على البطولات الكبرى كمواسم نشاط استثنائي. يقول أحدهم: “كأس إفريقيا، دوري الأبطال، وكأس العالم كانت تضمن امتلاء المقهى بالزبائن، اليوم نلاحظ تراجعًا كبيرًا، حتى في المباريات الكبرى. الكثير يفضّل متابعة المباراة على هاتفه، وأحيانًا داخل المقهى نفسه دون تفاعل مع الآخرين”.

ويرى متابعون أن هذا التغير لا يرتبط بالتكنولوجيا فقط، بل أيضًا بعوامل اجتماعية واقتصادية. ارتفاع تكاليف الجلوس في المقاهي، وضغوط الحياة اليومية، جعلت المشجع يبحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة. كما لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تغيير سلوك المتابعة، عبر البث المباشر، ومقاطع الأهداف، والتعليقات اللحظية التي تمنح المشجع إحساسًا بالمشاركة الفورية دون الحاجة للتواجد الجماعي.

ورغم كل هذه التحولات، يبقى الحنين حاضرًا لدى الكثيرين، ذكريات “لمة متابعة الخضر” في الكان، وسهرات دوري أبطال أوروبا، وليالي كأس العالم، ما تزال راسخة في الذاكرة الجماعية، وكأنها صفحات من زمن جميل لن يعود، وبين شاشة الهاتف الصغيرة وتلك الذكريات، يبقى السؤال مطروحًا: هل تعود يومًا تلك العادة التي جعلت من كرة القدم حدثًا اجتماعيًا جامعًا، أم أن المشاهدة الفردية أصبحت العنوان الأبرز لعلاقة الجزائريين بالكرة في زمن التكنولوجيا؟