مجتمع

أضاحي العيد.. شحنات متتالية ورقابة صحية مشددة ومنصة رقمية للتتبع

في المحصلة، تبدو عملية استيراد أضاحي 2026 أكثر تنظيما مقارنة بالموسم الماضي، سواء من حيث الانطلاق المبكر أو تنويع مصادر التموين أو إدماج الرقمنة في التتبع.

  • 1322
  • 5:38 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

دخل ملف استيراد الأضاحي، مع اقتراب عيد الأضحى لسنة 2026، مرحلة تنفيذية حاسمة، وذلك في إطار برنامج وطني واسع سطرته الدولة، يستهدف اقتناء مليون رأس من الغنم لضمان تموين السوق الوطنية وكبح جماح الأسعار.

العملية، التي تعد الثانية، لا ينظر إليها كإجراء ظرفي لتغطية الطلب، بل كاختبار حقيقي لقدرة السلطات العمومية على تصحيح اختلالات موسم 2025 الذي طبعته تأخرات تنظيمية وضعف في الوفرة وتأثير محدود على أسعار الاضاحي محليا.

البداية الميدانية لعملية استيراد الأضاحي لهذه السنة كانت مع استقبال أول الشحنات يوم 26 مارس 2026 بميناء الجزائر، تلتها شحنات أخرى بوتيرة متسارعة، في مشهد يعكس إرادة رسمية لتفادي سيناريو العام الماضي.

فقد رست باخرة "Anakin" يوم 28 مارس محملة برؤوس من الأغنام المستوردة، فيما استقبل ميناء بجاية يوم 30 مارس شحنة ثالثة قادمة من رومانيا تضم 6560 رأسا من الغنم، في حين شهد ميناء وهران استقبال أول شحنة من المواشي في إطار نفس البرنامج.

وقد رست، بذات الميناء، باخرتان محملتان بـ17250 رأسا من الأغنام القادمة من رومانيا، حسب ما أفاد به المدير العام للديوان الجهوي للحوم الغرب، محمد بلعون.

وأوضح بلعون أنه سيتم تفريغ الحمولتين فور استكمال إجراءات المراقبة الصحية من طرف المفتشين البيطريين، مشيرا إلى أنه تم تسخير جميع الإمكانيات البشرية واللوجستية بحضور مدير المصالح الفلاحية وإطارات مؤسسة ميناء وهران وممثلي السلطات المحلية. وسيتم حجر هذه الأغنام على مستوى محجرين بإقليم ولاية وهران، بعدما تم تهيئتهما وتحضيرهما.

وفي نهاية الأسبوع رست بذات الميناء باخرة محملة بثاني شحنة من رؤوس الأغنام القادمة من إسبانيا والمقدرة بـ7 آلاف رأس، وذلك في إطار تنفيذ برنامج استيراد أضاحي العيد، حسب ما استفيد من الديوان الجهوي للحوم بالغرب.

وقد تم إنزال الشحنة فور استكمال إجراءات المراقبة الصحية من طرف المفتشين البيطريين مع تسخير جميع الإمكانيات البشرية واللوجستية، كما تم وضع هذه الأغنام على مستوى مركز الحجر والتجميع التابع للديوان الجهوي للحوم بالغرب مثلما أشير إليه.

تم أيضا تجنيد كافة الوسائل البشرية والتقنية لضمان تفريغ الشحنات في ظروف آمنة وسلسة، مع إخضاع الأضاحي لرقابة بيطرية مزدوجة، الأولى في بلد المنشأ والثانية فور وصولها إلى التراب الوطني .كما يتم نقل المواشي عبر شاحنات مخصصة نحو مناطق الحجر الصحي التي تم تجهيزها بكافة المتطلبات الأساسية، من أعلاف ومياه ومتابعة صحية مستمرة، وهو ما يعكس تشديدا واضحا على المعايير الصحية، خاصة في ظل حساسية العملية وارتباطها بالاستهلاك الواسع.

وتؤكد هذه الديناميكية أن الرهان هذه السنة لا يقتصر على الاستيراد، بل يمتد إلى التحكم في السلسلة اللوجستية كاملة، من الميناء إلى نقاط البيع.

كما تؤشر هذه الديناميكية اللوجستية على دخول العملية مرحلة السرعة القصوى، حيث أكدت وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري أن وتيرة الاستيراد ستتسارع ابتداء من الأسبوع الأول من أفريل، على أن تستمر إلى غاية 20 ماي 2026 لاستكمال الكمية الإجمالية المتعاقد عليها من عدة دول، من بينها إسبانيا ورومانيا والبرازيل والأوروغواي .هذا ويبقى الهدف المركزي من هذه العملية يتمثل في تحقيق توازن السوق، في ظل ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة وتزايد الطلب الموسمي.

وفي هذا السياق، تم تسقيف سعر الأضحية المستوردة عند 50 ألف دينار، كإجراء تنظيمي مباشر لحماية القدرة الشرائية للمواطنين ومنع المضاربة التي كانت أحد أبرز اختلالات المواسم السابقة. ولضمان نجاح العملية، اعتمدت السلطات مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين التنظيم اللوجستي الصارم والرقابة الصحية والتتبع الرقمي.

الرقمنة والرقابة الصارمة لتفادي المضاربة واستعادة الثقة

وتأتي عملية استيراد أضاحي 2026 في سياق محاولة واضحة لتصحيح الأخطاء والنقائص والمآخذ التي سجلت السنة الماضية، التي اتسمت بالتأخر في التنفيذ وضعف التنسيق وغياب آليات التتبع، ما أدى إلى محدودية تأثير العملية على الأسعار وفتح المجال آنذاك أمام المضاربة وتحويل جزء من الأضاحي عن مسارها الطبيعي.

غير أنه هذه السنة، تم إدماج جملة من الإصلاحات، أبرزها الرقمنة الشاملة لتتبع الأضاحي وتشديد الرقابة الصحية وتوسيع شبكة مراكز الحجر الصحي، إضافة إلى إشراك متعاملين مؤهلين في النقل والتوزيع.

ويرى مهنيون أن نجاح العملية لا يجب قياسه بعدد الأضاحي المستوردة، فقط، بل بمدى وصولها فعليا إلى المواطن بأسعار معقولة وفي الوقت المناسب، مع ضمان الشفافية في مسارها.

ولعل أحد أبرز مستجدات موسم 2026 يتمثل في إطلاق منصة رقمية مخصصة لتتبع عملية الاستيراد، تتيح معلومات آنية حول مسار البواخر، حمولتها، الموانئ المستقبِلة، إضافة إلى متابعة عمليات التوزيع والبيع لاحقا.

سلسلة التوزيع .. نقطة سوداء يتوجب تجاوزها

في المقابل، لم تقتصر الإجراءات على الجانب اللوجستي فقط، بل شملت أيضا تحفيزات مالية وجبائية، حيث أقرت المديرية العامة للضرائب إعفاءات تشمل الرسوم الجمركية والرسم على القيمة المضافة وعدة أعباء أخرى، بهدف تقليص تكلفة الاستيراد وضمان استقرار الأسعار في السوق الوطنية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى نجاح العملية مرتبطا بمدى القدرة على التحكم في سلسلة التوزيع التي شكلت الحلقة الأضعف في تجربة العام الماضي.

ففي 2025، ورغم الإعلان عن استيراد مليون رأس، إلا أن الواقع خالف الأرقام المعلنة، فالكميات التي كانت متوفرة آنذاك على مستوى نقاط البيع أقل بكثير من الهدف المسطر ووصلت متأخرة وبجودة ضعيفة في كثير من الحالات، وهذا ما كشف عن خلل في التخطيط والتنفيذ وليس في القدرة على الاستيراد في حد ذاتها.

كما أظهرت تلك التجربة ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، من موانئ ومصالح فلاحية وجمارك، إضافة إلى غياب آليات فعالة لمراقبة مسار الأضاحي بعد وصولها، ما سمح بانتشار المضاربة وعدم انعكاس العملية على الأسعار بشكل ملموس.

تنوع في مصدر التوريد وتنوع في مقاربة التسيير

في 2026، يبدو أن المقاربة تغيرت جزئيا، من خلال إدماج أدوات رقمية وتشديد الرقابة وتوسيع مصادر التموين، إذ لم تعد العملية مقتصرة على دول محددة، بل شملت توجها نحو تنويع الشركاء، مع اهتمام دول إفريقية مثل كينيا وموريتانيا بدخول هذا المسار، إلى جانب الشركاء التقليديين في أوروبا وأمريكا الجنوبية.

ويهدف هذا التنويع إلى ضمان الوفرة أولا ثم تحقيق توازن في الأسعار وتحسين الجودة، من خلال الاستفادة من عروض متعددة في السوق الدولية، وفق دفتر شروط صارم أعدته السلطات العمومية يحدد المعايير الصحية وشروط النقل والتسويق.

في سياق متصل، يرى مهنيون أن اللجوء إلى الاستيراد، رغم ضرورته الظرفية، لا يمكن أن يكون حلا دائما، خاصة في ظل التحديات التي تواجه قطاع تربية المواشي محليا، من جفاف وارتفاع أسعار الأعلاف ونقص الدعم الموجه للمربين.

ويؤكد مختصون أن الحفاظ على الثروة الحيوانية الوطنية يتطلب مقاربة هيكلية تتجاوز الحلول الموسمية، من خلال دعم الإنتاج المحلي وضبط سوق الأعلاف وتطوير السلالات، إلى جانب رقمنة القطاع لضمان شفافية أكبر في تسيير الموارد.

ورغم ذلك، يبقى استيراد أضاحي 2026 خيارا مرحليا، يهدف إلى امتصاص الضغط على السوق وحماية القطيع الوطني من الذبح المفرط، خاصة للإناث، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لاستدامة الثروة الحيوانية على المدى المتوسط.

على المستوى الميداني، تواصل السلطات عمليات تفقد مراكز الحجر الصحي عبر مختلف الولايات، لضمان جاهزيتها واستجابتها للمعايير المطلوبة، في حين تم إطلاق طلبات عروض لاختيار متعاملين متخصصين في نقل المواشي، في خطوة تهدف إلى تأطير العملية وإشراك فاعلين مؤهلين.

كما يجري العمل على وضع آليات جديدة لتنظيم عملية البيع، من خلال نقاط توزيع رسمية خاضعة للرقابة، بما يضمن وصول الأضاحي إلى المواطنين في ظروف شفافة ومنظمة ويحد من المضاربة والاحتكار.

مؤشرات أولية على نجاح العملية

في المحصلة، تبدو عملية استيراد أضاحي 2026 أكثر تنظيما مقارنة بالموسم الماضي، سواء من حيث الانطلاق المبكر أو تنويع مصادر التموين أو إدماج الرقمنة في التتبع، ليبقى التحدي الحقيقي هو ضمان توزيع عادل وفعال، يحقق الهدف الأساسي للعملية وتمكين المواطن من اقتناء أضحية العيد بسعر حددته الدولة بـ50 ألف دينار.