مع اقتراب موعد امتحانات شهادتي التعليم المتوسط والبكالوريا، تنتشر إعلانات دروس الدعم والدورات التعليمية المكثفة في كل مكان، من مواقع التواصل الاجتماعي إلى واجهات المراكز التجارية وأبواب العمارات والمؤسسات التربوية، قصد استقطاب التلاميذ والتسجيل فيها .
أدى ضغط البرامج التربوية والتنافس بين التلاميذ والأولياء لافتكاك نتائج إيجابية في الامتحانات، واستدراك تأخرهم في فهم الدروس والتحكم في حل التمارين، إلى اتساع ظاهرة دروس الدعم والدورات التعليمية المكثفة، مع تنقل بعض الأساتذة عبر الولايات لتنشيط دورات الحفظ وتقنيات الإجابة.
وتحولت هذه الدروس إلى باب واسع للاستغلال التجاري والمتاجرة بقلق التلاميذ وأوليائهم المنهكين من المصاريف الكبيرة، التي تزامنت مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لتصبح هذه النشاطات البيداغوجية الموازية جزءا أساسيا من المشهد التربوي في الجزائر.
فبمجرد انتهاء الامتحانات التجريبية، ارتفعت وتيرة التسجيل في الدروس الخصوصية بشكل لافت، بعد انتشار إعلانات واسعة لدورات مكثفة لمراجعة البرنامج السنوي وتقديم حلول الامتحانات السابقة والمتوقعة، خاصة في المواد الأساسية مثل الرياضيات، العلوم الفيزيائية، العلوم الطبيعية، وحتى اللغة العربية والإنجليزية والفلسفة، لتُسوَّق هذه الدورات على أنها "فرصة أخيرة للإنقاذ" أو "مراجعة شاملة تضمن النجاح".
هذا الخطاب يجد صداه لدى آلاف العائلات التي تبحث عن أي وسيلة لرفع حظوظ أبنائها في تحقيق نتائج جيدة وممتازة، والنجاح في هذا الامتحان المصيري وتخطي هذه المرحلة التي يتابعها أفراد العائلة .
ويعكس الانتشار الكبير للدورات التعليمية والإقبال الكبير على دروس الدعم في جانب منه، حالة القلق الجماعي التي ترافق الامتحانات المصيرية لدى التلاميذ والأولياء على حد سواء، حيث أصبح الكثير من التلاميذ يشعرون أن الدراسة داخل القسم وحدها لم تعد كافية.
كما ساهم ضغط البرامج الدراسية وكثافة الدروس، إضافة إلى الرغبة في تحسين المعدلات، في ترسيخ فكرة أن النجاح يمر حتما عبر الدروس الخصوصية وهذه الدورات التعليمية المكثفة، خصوصا وأن بعضها تقدم ملخصات للدروس .
ويؤكد عدد من الأولياء الذين التقتهم "الخبر" أن أبناءهم استفادوا فعلا من بعض حصص الدعم، خاصة من ناحية تنظيم المراجعة واستيعاب النقاط الصعبة من الدروس، معتبرين أن بعض الأساتذة ذوي الخبرة والكفاءة يقدمون مجهودات حقيقية لمرافقة التلاميذ نفسيا وبيداغوجيا قبل الامتحانات.
وتقول أم لتلميذة مقبلة على شهادة البكالوريا أن ابنتها "وجدت في الدروس المكثفة طريقة لاسترجاع الثقة وتقليص التوتر"، مضيفة أن ابنتها تدرس في قسم يضم 58 تلميذا، أغلبهم لا يتابع الدروس بشكل جيد ويكثر الضجيج والحديث في الحصة، ما يجعل المتابعة الفردية أمرا صعبا.
من جهته، أوضح ولي تلميذ آخر في الطور المتوسط أنه اختار تقديم دروس دعم "امتياز" لابنه في البيت في مختلف المواد بما في ذلك التاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية، كون المستوى تراجع كثيرا في المدرسة، معتبرا ذلك استثمارا وجب تجسيده لضمان نجاح ابنه، أمام تراجع أداء بعض الأساتذة ونقص خبرتهم .
وفي المقابل، تثير هذه الظاهرة مخاوف متزايدة من تحول التعليم الموازي إلى عبء مالي ونفسي على العائلات، لأنه مع اقتراب موعد الامتحانات ارتفعت أسعار الدورات المكثفة بشكل ملحوظ، حيث تجاوز سعر بعض الحصص مبلغ الألفي دينار للحصة الواحدة، خاصة عند الأساتذة المعروفين بنسبة النجاح المرتفعة لتلاميذهم التي يشهرونها في نهاية كل سنة دراسية بعد صدور النتائج في صفحاتهم.
كما تلجأ بعض المراكز التعليمية الخاصة إلى حملات دعائية مكثفة مستغلة خوف الأولياء من الرسوب، عبر الترويج لعبارات من قبيل "أماكن محدودة" أو "مراجعة الحسم الأخيرة"، أو "تحت إشراف أساتذة أكفاء ذوي خبرة".
والملاحظ أن المشكلة لا تكمن في انتشار دروس الدعم بحد ذاتها، بل في تحوّلها تدريجيا من وسيلة مساعدة إلى "شرط غير معلن للنجاح"، ما يخلق نوعا من التفاوت بين التلاميذ حسب القدرة المادية للعائلات، خصوصا وأن الضغط المتواصل والدروس اليومية المكثفة قد تؤدي أحيانا إلى نتائج عكسية، عبر إنهاك التلميذ نفسيا وجسديا، خاصة في فترة يحتاج فيها إلى التوازن بين المراجعة والراحة.
كما أن بعض التلاميذ يقعون ضحية "ثقافة الاستهلاك الدراسي"، حيث يتم حشوهم بكميات هائلة من الملخصات والتمارين السريعة أو معلومات مغلوطة من أساتذة متقاعدين لا يدركون مضمون البرنامج الحالي، دون التركيز على الفهم الحقيقي أو بناء منهجية مستقلة للمراجعة.
كما أصبحت بعض الصفحات الإلكترونية تبيع "وصفات جاهزة للنجاح" وملخصات سريعة تحت ضغط عامل الوقت، ما يرسخ لدى التلميذ فكرة أن النجاح يرتبط بالحلول السريعة أكثر من الجهد التراكمي طوال السنة.
والغريب أن بعض الأساتذة الذين اشتهروا بهذه الدروس "الناجحة" والدورات باتوا ينتقلون عبر الولايات بتنظيم تجمعات تربوية بحجة تقديم منهجية الإجابة والحفظ السريع بسعر ألف دينار لليوم الواحد، فيما تعكف مراكز تعليمية على برمجة دورات مغلقة من الصباح إلى المساء في مختلف المواد لمدة أسبوع أو عشرة أيام، بما في ذلك حصص نفسية وأخرى تربوية تحت إشراف مختصين حتى يتفادى الأولياء نقل أبنائهم خاصة في مستوى "البيام " من مكان إلى آخر بسعر 10 آلف دينار للدورة، مع اقتراح وجبات محمولة للغذاء والاستراحة بمبالغ مضافة حسب الرغبة .
ويرى أستاذ في الرياضيات، تجاوز الـ 25 سنة خبرة، أن الظاهرة تحتاج إلى تنظيم ورقابة أكبر، خاصة فيما يتعلق بالمراكز غير المعتمدة والإعلانات المضللة التي تعد التلاميذ بنتائج مضمونة من أساتذة ليسوا من الاختصاص أو متقاعدين، داعيا إلى تعزيز الدعم البيداغوجي داخل المؤسسات التربوية نفسها، عبر تكثيف حصص المراجعة المجانية وتخفيف الضغط النفسي عن المترشحين لوجود مستشارين تربويين في كل المؤسسات التربوية .
وبين الحاجة الحقيقية إلى المرافقة الدراسية والدعم النفسي خاصة لتلاميذ السنة الرابعة متوسط، وخطر تحويل قلق الامتحانات إلى سوق مفتوحة للاستغلال، تبقى دروس الدعم ظاهرة تعكس تحولات عميقة يعيشها المجتمع التربوي، لأن نجاح التلميذ لا يصنعه عدد الساعات التي يقضيها في الدورات المكثفة فقط، بل تصنعه أيضا الثقة بالنفس، والتنظيم الجيد على امتداد السنة الدراسية والمشوار التربوي، وكذلك التوازن النفسي، والدعم الأسري والعائلي، إلى جانب مؤسسة تربوية قادرة على أداء دورها التربوي الكامل دون أن تترك فراغاً تملؤه السوق الموازية للتعليم .
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال