تصنف سرعة رياح تصل إلى 120 كم/سا ضمن خانة الرياح "العنيفة" حسب مقياس بوفورت العالمي، وهي سرعة كفيلة بتحويل يوميات المواطنين إلى حالة من الطوارئ القصوى، حيث إن الرياح التي تتجاوز 100 كلم/سا قادرة على اقتلاع الأشجار من جذورها.
وجدت الجزائر نفسها، اليوم، تحت مجهر تقارير الأرصاد الجوية التي لم تكن مجرد توقعات روتينية، بل كانت إنذارا أحمر استدعى استنفارا شاملا. فمما لا شك فيه أن مخاطر هذه الرياح تتجاوز مجرد إعاقة الحركة؛ فهي تهديد مباشر للمنشآت والبنى التحتية، حيث تزداد احتمالية انهيار الأعمدة الكهربائية وسقوط الأشجار المعمرة واللوحات الإعلانية الضخمة، ما يجعل البقاء في الخارج مغامرة غير محمودة العواقب.
ولأجل ذلك أعلنت وزارة التربية الوطنية، بناء على برقية مستعجلة من وزارة الداخلية والجماعات المحلية، عن تعليق الدراسة في جميع الأطوار التعليمية يومي الأربعاء والخميس. وقد مس هذا القرار 41 ولاية، من وهران غربا إلى سوق أهراس شرقا، حيث لم يكن وليد الصدفة، بل جاء استجابة لنشرية جوية خاصة (BMS)، وضعت أغلب مناطق شمال ووسط البلاد في خانة "اللون البرتقالي".
هذا المستوى من التنبيه يشير بوضوح إلى أن الظاهرة الجوية القادمة ليست عابرة، بل هي اضطراب جوي عميق يتسم برياح غربية إلى جنوبية غربية عاتية، ستبلغ ذروتها في الساعات القادمة لتجتاح السواحل والمرتفعات والسهول الداخلية على حد سواء.
ولا يقتصر الخطر على اليابسة فحسب، بل يمتد ليشمل الواجهة البحرية التي ستشهد حالة من الهيجان الشديد، حيث يتوقع الخبراء وصول الأمواج إلى ارتفاعات قياسية، كما حدث في تونس الأيام الماضية، مما جعل السلطات تطلق تحذيرات صارمة للملاحة البحرية والصيادين بضرورة الرسو والابتعاد عن الشواطئ.
كما أن طبيعة هذه الرياح التي تلامس الـ 120 كلم/سا تجعل الرؤية الأفقية في الولايات الداخلية مثل الجلفة والأغواط والنعامة شبه منعدمة نتيجة زحف الرمال والغبار، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع المروري ويجعل التنقل بين الولايات مهمة محفوفة بالمخاطر.
وبالنظر إلى السياق العالمي، نجد أن الجزائر ليست الوحيدة التي تواجه هذه التقلبات الجوية العنيفة في مطلع عام 2026؛ فقد شهدت أوروبا الغربية مؤخرا عاصفة "غوريتي" التي ضربت فرنسا وألمانيا بسرعات تجاوزت 200 كلم/سا، مخلفة دمارا في البنية التحتية وانقطاعا واسعا للتيار الكهربائي.
كما عاشت أمريكا الشمالية خلال الأيام الماضية شللا تاما جراء عواصف شتوية مماثلة. وتؤكد هذه المقارنة أننا نعيش في ظل تقلبات مناخية عالمية حادة، تتطلب من المواطنين الالتزام التام بتعليمات الحماية المدنية، وتجنب ركن المركبات قرب ورشات البناء أو تحت الأجسام القابلة للسقوط، بانتظار انقشاع هذه العاصفة بسلام.
وبناء على خطورة الوضع الجوي، لا بد من رفع الوعي والالتزام بإرشادات السلامة المنزلية والميدانية لضمان سلامة الأفراد وممتلكاتهم خلال هبوب هذه الرياح العاتية، بدءا بتأمين المحيط القريب داخل المنزل، كتثبيت أو إدخال الأغراض الخارجية القابلة للتطاير في الشرفات أو على الأسطح، مثل الكراسي، وأواني الزهور، والهوائيات، أو أدوات البناء، حيث تتحول هذه الأشياء إلى قذائف خطيرة عند سرعة 120 كلم/سا.
وكذا تفقد النوافذ والأبواب، والتأكد من إغلاقها بإحكام. ومن الأفضل إنزال الستائر المعدنية لتقليل الضغط على الزجاج وحمايته من أي جسم قد يرتطم به. إلى جانب شحن الهواتف والبطاريات الاحتياطية مسبقا، وتجهيز شموعٍ أو مصابيح يدوية في مكان سهل الوصول إليه، تحسبا لأي انقطاع في الكهرباء ناتج عن سقوط كابلات أو أعمدة.
وأيضا الحذر من تسرب الغاز، فالرياح القوية قد تؤدي أحيانا إلى إطفاء شعلة سخانات المياه أو إعاقة تصريف الغازات المحترقة عبر المداخن، لذا يجب التأكد من تهوية المكان بشكل سليم ومراقبة أجهزة التدفئة.
أما خارج المنزل فيجب تجنب ركن السيارات تحت الأشجار، أو بالقرب من الأعمدة الكهربائية، أو تحت اللوحات الإعلانية الكبيرة وأسوار ورشات البناء الهشة.
وبما أن الدراسة معلقة، ينصح بالبقاء في المنزل وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة في الولايات الساحلية والمنحدرات الجبلية حيث تكون الرياح في أقصى قوتها. وإذا اضطر أي شخص للقيادة، لا بد من التمسك بالمقود جيدا بكلتا اليدين، فالهبات القوية المفاجئة قد تزيح السيارة عن مسارها، خاصة عند الخروج من الأنفاق أو المرور فوق الجسور.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال