أقلام الخبر

الواقف والكرة و باتريس لومومبا !!

  • 411
  • 5:55 دقيقة

لا أدعي أنني أعرف فنيات لعبة كرة القدم، ولا أزعم أنني متابع جيد ولا دائم لهذه اللعبة الشعبية التي اكتسحت كل اللعبات الأخرى بما فيها لعبة الريقبي اللعبة المفضلة عند الأمريكيين، حيث أطلق بعضهم حملة على لعبة كرة القدم إلى حد  وصفها بـ "أغبى لعبة في التاريخ "، ثم ها هم ينظمون في بلادهم هذه الكأس العالمية لهذه اللعبة هذا العام، فهل تراهم بعد ذلك النقد سيجعلون منها أذكى لعبة ويتخلون عن لعبتهم المفضلة الريقبي لتكون كرة القدم لعبتهم الشعبية المفضلة في المستقبل؟

و رغم كل هذا الجدل حول لعبة كرة القدم معبودة الجماهير في أمريكا اللاتينية والتي تسببت سابقا في حروب وفي إسقاط حكومات والتي جعل منها بعض الساسة مجرد عملية تلهية للشعوب، فإن كل ما في الأمر بالنسبة لي أن هذه اللعبة لا تستهويني إلا عندما يتعلق الأمر بالفريق الوطني الجزائري لكرة القدم، و كذا بعض مقابلات الفرق الكبرى في المقابلات الإقليمية والدولية، مثل كأس العرب وكأس الأمم الإفريقية وكأس العالم.

عندما كنت أتابع مقابلة ثمن النهائي لكأس الأمم الإفريقية التي تجري حاليا بالمغرب بين الفريق الوطني الجزائري وفريق الكونغو الديمقراطية لفتت انتباهي صورة مواطن من الكونغو يدعى "كوكا مولادينغا" ظل واقفا منذ بدء المباراة وإلى غاية الدقيقة 119 حيث ظل رافعا يديه متشبها بالزعيم الإفريقي الكونغولي الثائر، باتريس لومومبا.

وفي تلك اللحظة كاد الرجل الذي ظل واقفا طيلة الأربع مقابلات التي خاضها الفريق الكونغولي من قبل ينهار ويسقط على الأرض وانهمرت دموعه بعد أن سجل اللاعب الجزائري الشاب، عادل بولبينة هدفا صاروخيا، جعل حناجر الجزائريين في الملعب ترتفع وجعل معلق القناة الرياضية القطرية، الجزائري حفيظ درَّاجي، ينفعل من شدة الفرح ويصرخ: يا يما يا يما "، أي يا أمي يا أمي " !!

و الواقع أن ما دفعني للكتابة ليست هي تلك المباراة بحد ذاتها، لأنني لا أفقه في لعبة "علم الكرة"، إن اعتبرنا كرة القدم عِلْمًا، ثم إنني لا أريد أن أسطو على تخصص لا أفقه فيه شيئا.

إن ما دفعني للكتابة هو الرمزية التي مثلتها وقفة ذلك الرجل الذي حاول تقليد باتريس لومومبا، رغم أنه لا يشبهه، حيث يقال إنه ظل يتابع فريق بلاده ويقف تلك الوقفة الشامخة في كل مقابلة يجريها فريق بلاده منذ 2013.

ثم إنه يبدو أن ذلك الراجل الكونغولي الواقف لا يعرف لا تاريخ لومومبا جيدا و لا يعرف علاقته بالثورة الجزائرية، ولا الجزائر التي كانت تكافح في تلك الفترة ليس من أجل استعادة الجزائر فقط لاستقلالها، بل من أجل تحرير القارة الإفريقية برمتها، والدليل أن العديد من دول القارة التي كانت واقعة تحت السيطرة الفرنسية نالت استقلالها بفضل ثورة الجزائر تلك الفترة، كما أن عددا من قادة التحرر الإفريقي ومن بينهم مانديلا تدربوا على أيدي ثوار الجزائر أثناء الثورة.

فباتريس لومومبا، هذا الثائر كان مُلْهِمًا لحركات التحرر خاصة في إفريقيا،  وكان ثائرا من أجل القارة السمراء عموما وبالأخص من أجل حرية بلاده الكونغو من الاستعمار البلجيكي.

و قد ذكر لي الديبلوماسي المرموق، السيد نور الدين جودي وهو أحد الثوار الجزائريين الذي ارتبط بصداقة عميقة مع الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا، أن الراحل باتريس لومومبا كان مساندا وداعما كبيرا للثورة الجزائرية، و أنه أمر بمجرد أن أصبح رئيسا لحكومة الكونغو الديمقراطي في جوان 1960 بتقديم الدعم والسلاح اللازم للثورة الجزائرية.

ولذلك فإن مواقفه الثورية وكذا العملية الشنيعة لاغتياله جعلت الجزائر عقب استعادة استقلالها في 1962 تطلق اسمه على بعض شوارع وساحات بعض المدن الجزائرية ومن بينها مدينة الجزائر التي يحمل أحد شوارعها اسمه، كما أن زعماء الاتحاد السوفيتي سابقا وعلى رأسهم الزعيم السوفيتي الذي رفع حذاءه فوق منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، نيكيتا خروتشوف، غيَّروا اسم الجامعة الروسية التي تأسست عام 1960 ، و هي الجامعة الروسية للصداقة مع الشعوب إلى اسم جامعة باتريس لومومبا عام 1961 بعد قيام جماعة المنشق مويس تشومبي وأحد أعوان وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على اغتيال أول رئيس لحكومة الكونغو، باتريس لومومبا .

مع الإشارة إلى أن جامعة باتريس لومومبا في موسكو تخرَّج منها عدد كبير من الطلاب العرب من بينهم المفكر الفلسطيني مصطفى البرغوثي الأمين العام الحالي للمبادرة الوطنية الفلسطينية والوزير الفلسطيني الأسبق في حكومة الراحل إسماعيل هنية.

ثم إنني لا أظن كذلك أن ذلك الرجل الكونغولي الذي ظل واقفا خلال المقابلات الأربعة لفريق الكونغو الديمقراطي في كأس الأمم الإفريقية، والذي مثل نفسه بلومومبا يعرف أن المنشق تشومبي قاتلُ لومومبا قد مات عام 1969 أثناء إقامته الجبرية في الجزائر التي كان الزعيم الإفريقي أميلكار كابرال يصفها بمكة الثوار 

قصة مُلهِمة لثائر من أجل الحرية..

شهدت مقاطعة كوساي في جمهورية الكونغو عام 1925 ولادة الطفل لومومبا.

بدأ تعليمه مبكرا حيث تميز بالذكاء الحاد فأتقن اللغة الفرنسية إضافة إلى معرفته لعدد من اللغات المحلية.

بدأ نضاله النقابي والسياسي مبكرا فأسس عام 1958 حزب الحركة الوطنية الكونغولية، وراح يدعو إلى استقلال الكونغو ووحدة شعبه.

برز اسمه خلال النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي كقائد كونغولي يدعو في مختلف الخطب التي ألقاها في عدد من المؤتمرات الإفريقية إلى كشف جرائم الاحتلال ووضع حد للهيمنة الأجنبية على ثروات الشعوب الإفريقية.

وهكذا فقد استطاع إلى جانب رفاقه من افتكاك استقلال الكونغو التي باتت تعرف الآن بالكونغو الديمقراطية في 30 جوان 1960 من الاحتلال البلجيكي الذي جثم على تراب هذا البلد الإفريقي من 1908 إلى ذلك العام 1960 .

و بموجب ذلك أصبح باتريس لومومبا أول رئيس لحكومة الكونغو.

غير أن فرحة أبناء الكونغو لم تدم طويلا، حيث دخلت البلاد في صراعات وتوترات أمنية كانت ناتجة عن تدخلات من طرف القوة المستعمرة السابقة إلى جانب ما كان يقوم به في الخفاء بعض أعوان المخابرات الأمريكية لتقويض حكم لومومبا.

وفي ظل هذا الوضع المتوتر قام العقيد جوزيف موبوتو بانقلاب عسكري أطاح فيه  برئيس الحكومة باتريس لومومبا بدعم غربي خاصة من القوة المحتلة السابقة بلجيكا.

و بعد أن تم سجن لومومبا وتعذيبه اقتيد إلى مقاطعة كاتانغا التي كان يسطر عليها الانفصالي مويس تشومبي، و قد قام هذا الأخير برفقة أحد عملاء وكالة المخابرات لمركزية الأمريكية بعملية إعدام شنيعة ضد باتريس لومومبا الذي تحولت عملية اغتياله رمزا للنضال و التحرر ليس في الكونغو وحده ولكن في مختلف أنحاء العالم.

ولا شك أن الباحثين في التاريخ قد سجلوا بإعجاب الدور الذي قام به قائد القوات المصرية العاملة ضمن القوات الأممية بالكونغو تلك الفترة العقيد حينها والفريق لاحقا، سعد الدين الشاذلي رحمه الله، بتعليمات من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله بتهريب و إنقاذ أبناء لومومبا ونقلهم إلى القاهرة في رحلة اعتبرت بمغامرة.

وقد روى لي، الفريق سعد الدين الشاذلي رحمه الله، الذي ربطتني به علاقة وطيدة أثناء وجوده بالجزائر ــ حيث أجريتُ معه العديد من اللقاءات لصالح الإذاعة الجزائرية إثر خلافه مع الرئيس الراحل أنور السادات ــ أن عملية نقل أبناء لومومبا إلى مصر كانت عملية معقدة أشبه بالمغامرة، و لكنها تمت بإحكام من طرف الضباط والجنود المصريين الذين كان الفريق الشاذلي يشرف عليهم شخصيا بالكونغو. 

فليت ذلك "الواقف" الكونغولي يدرك كم يقدر الجزائريون العارفون بالتاريخ قيمة باتريس لومومبا لديهم.

وقد علمت وأتمنى أن يكون الخبر صحيحا أن رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم وليد صادي يكون قد وجه الدعوة للرجل الواقف مناصر الفريق الكونغولي ليكون حاضرا في مقابلة الجزائر نيجريا تأكيدا لتلك العلاقة المتينة التي تربط بين باتريس لومومبا وثورة الجزائر وبين الجزائر وبين الكونغو الديمقراطية.

الكرة لا يجب أن يحولها بعضهم إلى أداة للفرقة وزرع الفتن بين شعوبنا خاصة في القارة الإفريقية ولا بين الإنسانية جمعاء.

 كرة القدم لعبة شعبية جميلة تجمع ولا تفرق بين الشعوب، ذلك أن الكرة والثقافة تعدان من العوامل الأساسية التي تقرب بين الشعوب، كما كانت الثورة الجزائرية وثوارها من بوالصوف و بومدين و بن بلة وثوار إفريقيا من مانديلا إلى نكروما و جوليوس نيريري وأميلكار كابرال وباتريس لومومبا يقربون بين شعوبنا.