ثقافة

دراسة جديدة تفكك الشرعية السياسية في الوطن العربي

يسعى العمل العلمي، بالبحث والتحليل، إلى فهم وتوظيف المتغير الديني في صياغة العقل السياسي وهندسة المضامين الدستورية.

  • 52
  • 1:51 دقيقة
صورة: الباحث الجزائري عبد المجيد سليماني
صورة: الباحث الجزائري عبد المجيد سليماني

ناقش الباحث الجزائري عبد المجيد سليماني، المتخصص في العلوم السياسية والعلوم الإسلامية والفلسفة، مؤخرا أطروحة دكتوراه َبعنوان "البعد الديني للأنظمة السياسية في الوطن العربي: "دراسة حالتي الجزائر والسعودية ً"، حيث نال درجة "مشرَف جدا".

الأطروحة دراسة سوسيوسياسية تسبر أغوار العلاقة الجدلية بين السلطة الزمنية والمرجعية الروحية، في بيئتين سياسيتين لهما وزنهما الاستراتيجي والتاريخي في المنطقة العربية.

يسعى العمل العلمي، بالبحث والتحليل، إلى فهم وتوظيف المتغير الديني في صياغة العقل السياسي وهندسة المضامين الدستورية، منطلقا من أهمية تجاوز القراءات النمطية، ومستندا إلى المنهج المقارن بين نظامين يمثلان شكلي الحكم الجمهوري والملكي، مع الاستفادة من التجربة الميدانية للباحث في كلا البلدين لتفكيك آليات إنتاج الشرعية السياسية.

خلص البحث إلى مجموعة من النتائج المحورية، أبرزها أن الدين يعمل كصمام أمان و"فلتر" للممارسة السياسية في البلدين، مع ملاحظة تحول تدريجي في مفهوم الشرعية من الأشكال التقليدية والثورية نحو "شرعية الإنجاز" المرتبطة بالتنمية والشفافية.

كما كشفت الدراسة عن أثر الضغوط الدولية في دفع النظامين نحو "عصرنة" المؤسسات الدينية وتأميم الخطاب المسجدي لمواجهة التطرف، مما أنتج نماذج مثل "الإسلام الوطني" و"الوسطية التحديثية". وتنتهي الأطروحة بالتأكيد على أن استقرار هذه الأنظمة مرهون بقدرتها على صياغة عقد اجتماعي جديد يوازن بين أصالة المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة، مع تقديم الباحث لاعتذارات منهجية توضح أسباب الإطناب في بعض التفاصيل الخصوصية الجزائرية، وتأثير خلفيته المهنية الطويلة في الإدارة العمومية على لغة البحث الأكاديمية.

تنبع أهمية هذه الدراسة من الحاجة المعرفية لتفكيك العلاقة بين السلطة والروح في الفضاء العربي، حيث ركز البحث على مقارنة تجربة الجزائر والسعودية باعتبارهما نموذجين للثبات الهوياتي والتحول المؤسسي. يستند العمل إلى تحليل الدين كمتغير مستقل لا ينفصل عن هندسة الشرعية السياسية، متجاوزاً القراءات النمطية التي تكتفي بوصف الأنظمة العربية بالثيوقراطية أو التقليدية، ومقدماً بدلاً من ذلك قراءة سوسيوسياسية تربط بين النص الديني والواقع الإداري والسياسي المعاش.

خلصت الدراسة إلى أن المتغير الديني يظل صمام أمان في ذهنية صانع القرار في كلا البلدين، إلا أن أدوات توظيفه تختلف؛ فبينما يعمل في السعودية ككابح لعيوب الملكية المطلقة عبر مفهوم البيعة والمساءلة الشرعية، يعمل في الجزائر كضابط إيقاع يحمي الوحدة الوطنية من الصراعات الهوياتية.

وتؤكد النتائج التي توصلت إليها الأطروحة، أن استقرار هذه الأنظمة في المستقبل مرهون بقدرتها على بناء عقد اجتماعي يزاوج بين أصالة المرجعية الدينية وعصرنة المؤسسة السياسية، والانتقال من فقه الأحكام إلى فقه النظام الذي يستوعب سيادة الإرادة الشعبية إلى جانب الثوابت الروحية.