في كل موسم رمضاني، تتحول صفحات بعض الممثلين والممثلات، على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أرشيف يومي للصور والمقاطع المكررة من الحلقات نفسها التي شاهدها الجمهور قبل ساعات.
يعتقد أصحابها أنهم يمارسون الترويج لأعمالهم الفنية، بينما هم في الحقيقة يساهمون في استهلاك صورتهم وإفراغها من معناها. لم يعد الأمر ترويجًا بقدر ما أصبح ضجيجا بصريا.
حضور مفرط، صور متشابهة، مقاطع بلا سياق، وابتسامات جاهزة للاستهلاك السريع توزع على الجميع. هكذا يُختزل الفنان في شاشة هاتف، وتُختزل تجربته الفنية في مادة للتمرير والنسيان. الفن يقوم على الندرة لا على الوفرة، وعلى المسافة لا على الاقتحام اليومي للوعي الجماعي.
حين يفرض الفنان صورته في كل ساعة وكل منشور، فإنه لا يعزز مكانته بل يبتذلها، ولا يقرّب الجمهور من العمل الفني وإنما يدفعه إلى النفور الصامت.
الأخطر من ذلك هو الخلط بين الفنان وفكرة المؤثر، وبين العمل الفني والإعلان الشخصي.
فبدل أن يكون الترويج خدمة للقصة وللفكرة وللفريق الفني، يتحول إلى ممارسة نرجسية تُعيد إنتاج المشهد ذاته عشرات المرات، حتى تفقد الصورة قيمتها الرمزية، ويضيع المعنى في زحمة التكرار الغبي.
لقد أصبح بعض الفنانين أسرى خوارزميات المشاهدة، يلهثون خلف الإعجاب الخارجي على نمط مواقع التعارف والزواج، ويقايضون المكانة الفنية بمنطق الغاية تبرر الوسيلة. حين تختلط الحياة الخاصة بالتمثيل، والضحك المصطنع بالكواليس واللقطة الجدية بالنكتة السطحية، تُمسخ صورة الفنان وتُفرغ من بعدها الثقافي.
فلا يعود رمزا فنيا، بل شخصية عابرة في سوق محتوى.. "المهم النتيجة". إن الفنان الذي يحترم نفسه لا يحتاج إلى الظهور من أجل الظهور ولا إلى استعراض صور مكررة، بل إلى موقف جمالي وأخلاقي من حضوره الرقمي. فالترويج الحقيقي لا يُقاس بالكثرة، بل بالقيمة والمعنى لا بالضجيج.
ليس كل ظهور حضورا، وليس كل ترويج خدمة للفن. فحين يتحول الترويج إلى ابتذال، يخسر الفنان صورته قبل أن يربح متابعًا جديدًا.
في النهاية الفنان السينمائي أو التلفزيوني ليس سلعة تعرض للبيع، أن يختزل في صورة أو عدد "اللايكات"، أو حتى نسبة مشاهدة، ما يعرض فعليا على الجمهور ليس جسده ولا مظهره، بل هي رسالته ووعيه، وقدرته على الأداء وقيمته الإنسانية والجمالية، وإلا يتحول إلى سلعة، يفقد حينها صفته كمبدع ليصبح منتوجا استهلاكيا في سوق الفرجة.. وأي فرجة تلك!

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال