ثقافة

مسلسل "فاطمة".. بين جمالية الصورة والصراع الدرامي المؤجَّل

يبقى تجربة فنية جادة ومحاولة محترمة للانتقال من الكوميديا الاجتماعية إلى الدراما التاريخية.

  • 426
  • 2:04 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

يمثّل مسلسل فاطمة منعطفًا مهمًا في المسار الفني للمخرج جعفر قاسم، الذي اعتاد الجمهور ربط اسمه بالكوميديا الاجتماعية، ليخوض هذه المرة تجربة الدراما التاريخية ذات البعد الثقافي والرمزي.

يحاول العمل بناء خطاب درامي يزاوج بين الذاكرة الثقافية والمقاومة الرمزية من خلال الفن، حيث يختار شخصية نسوية تعشق الموسيقى في زمن الاحتلال، في دلالة واضحة على أن الفن يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المقاومة الناعمة وحفظ الهوية. غير أن هذه الرؤية الفكرية، رغم نبلها وعمقها، لم تُترجم دائمًا إلى صراع درامي قوي ومتصاعد.

اعتمد المسلسل على سرد خطّي بطيء، تتراكم فيه المشاهد التأملية والحوارات الهادئة، وهو خيار فني يمنح العمل عمقًا بصريًا ومساحة للشخصيات كي تتنفس. إلا أن الإشكال الأساسي يكمن في ضعف العقدة الدرامية وتكرار بعض المواقف، ما جعل الإيقاع العام للعمل يبدو متراخيًا في عدد من الحلقات.

فالصراع الخارجي، المتمثل في الاحتلال والمجتمع والسلطة الذكورية، ظل غالبًا في الخلفية، بينما لم يتصاعد الصراع الداخلي للشخصية الرئيسية بالقدر الكافي لخلق توتر دائم لدى المتلقي. وقد انعكس ذلك على البناء الدرامي الذي بدا في بعض الأحيان أقرب إلى التأمل السردي منه إلى المواجهة الدرامية الحادة.

تُقدَّم شخصية فاطمة بوصفها فكرة ورمزًا ثقافيًا أكثر من كونها إنسانة بلحمها ومشاعرها وأزماتها النفسية. لم تُبنَ الشخصية دراميًا بتدرّج كافٍ، بل جاءت جاهزة أخلاقيًا، وهو ما جعل بعض المشاهد تبدو تعليمية الطابع أكثر منها مشاهد درامية نابضة بالصراع.

وتُعد السينوغرافيا من أقوى عناصر المسلسل، إذ تميّز الديكور والأزياء والإضاءة بجمالية عالية منحت الصورة خطابًا قائمًا بذاته، يعكس زمنًا منسيًا ويؤسس لحنين بصري لافت. غير أن الإفراط في الجماليات البصرية جاء أحيانًا على حساب توتر المشهد وسرعة الحدث وكثافة الحوار الدرامي.

أما الأداء التمثيلي، فقد تراوح بين ممثلين متمكنين منحوا شخصياتهم عمقًا إنسانيًا واضحًا، وممثلين آخرين بدوا مترددين أمام ثقل المرحلة التاريخية وحساسيتها، وهو تفاوت خلق نوعًا من عدم التوازن في بعض الحلقات.

في المقابل، يُحسب للمسلسل جرأته في استدعاء الموسيقى الأندلسية وربط الفن بالهوية الوطنية، وإبراز دور المرأة في حفظ الذاكرة الثقافية زمن الاستعمار. كما يُسجَّل له سعيه إلى فتح مسار جديد في الدراما الجزائرية بعيدًا عن القوالب الكوميدية المألوفة، وإن كان قد اختار البقاء في منطقة آمنة ولم يذهب بعيدًا في مساءلة التاريخ بجرأة أكبر.

ورغم هذه الملاحظات النقدية، يبقى مسلسل فاطمة تجربة فنية جادة ومحاولة محترمة للانتقال من الكوميديا الاجتماعية إلى الدراما التاريخية ذات البعد الثقافي. وهو عمل يفتح نقاشًا مهمًا حول علاقة الفن بالذاكرة والهوية، وحول مكانة المرأة في سردية التاريخ الوطني.

إن مثل هذه التجارب، حتى بما تحمله من هنّات فنية، تظل ضرورية لتراكم الخبرة وبناء مشروع درامي جزائري أكثر نضجًا وعمقًا في المستقبل.

ويبقى مسلسل فاطمة عملًا جديرًا بالمتابعة والمناقشة.