ثقافة

نقاد يطالبون بمشروع فني حقيقي

الدراما الجزائرية بين المناسباتية والصناعة الحقيقية.

  • 743
  • 8:09 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم تعد الدراما الجزائرية ذلك الضيف الخجول على الشاشات كما كانت قبل سنوات، بل أصبحت اليوم رقما فاعلا في الخريطة السمعية البصرية المحلية، خاصة خلال الموسم الرمضاني الذي تحول إلى موعد سنوي تتكثف فيه الإنتاجات وتشتد فيه المنافسة على نسب المشاهدة والإشهار. وبين الطفرة الكمية التي جعلت المشاهد أمام عشرات الأعمال في موسم واحد، والسعي إلى تحسين النوعية من حيث الصورة والإخراج والأداء، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: هل نحن أمام ملامح صناعة درامية حقيقية، أم مجرد حركية ظرفية مرتبطة بموسم استثنائي؟ وبين التفاؤل الحذر والنقد الصريح، تتقاطع آراء عدد من الفاعلين والمهتمين بالشأن الفني حول واقع الدراما الجزائرية وآفاقها عربيا.

المشاهد بحاجة إلى دراما على مدار السنة

يرى كاتب السيناريو والمنتج والناقد المهتم بالشأن الثقافي والفني الطيب توهامي أن الكم في الدراما مهم، لأن التراكم في النهاية هو الذي يصنع التجارب الناضجة، لكن في النهاية الكم وحده لا يكفي لتأسيس صناعة درامية مستدامة، والتعويل على شهر رمضان وحده للتركيز على الإنتاج، لا يؤدي في النهاية إلى صناعة حقيقية، لأن المشاهدين بحاجة إلى دراما على مدار السنة. ما يلاحظه الطيب توهامي أن أغلب الإنتاجات الدرامية في الجزائر تعتمد على تمويلات المعلنين في رمضان، وهي عملية معقدة تضطر معظم المنتجين المنفذين إلى بداية الإنتاج الفعلي أشهر قليلة قبل حلول الشهر الفضيل، وهو ما لا يخدم حسبه جودة الأعمال الدرامية التي يلاحظ عليها التسرع والأخطاء في السيناريوهات وكذا الحوارات. مشيرا إلى أنه اليوم إذا أردنا التأسيس لصناعة درامية حقيقية لابد من بروز منتجين حقيقيين تكون لديهم القدرات المالية على إنتاج مسلسلات درامية يمكن تسويقها وبثها على القنوات التلفزيونية، وهذا ما يحدث في أغلب الدول العربية العريقة في الإنتاج الدرامي.

وما يميز الدراما الجزائرية، حسب الطيب توهامي، أنه مثلها مثل الدراما العربية هي دراما مناسباتية مرتبطة بالفرجة في شهر رمضان الفضيل، وهذه المناسباتية، كما قال سابقا، تضر بالعملية الإنتاجية التي تبقى في حاجة إلى الاستدامة. كما أن الدراما الجزائرية أصبحت تمتاز بزخم كبير، سواء على مستوى الكم أم على مستوى المضمون الذي أضحى متنوعا، يشمل طرح مختلف المواضيع الاجتماعية برؤى فنية مختلفة، كما برزت لهذا العام ولأول مرة في رمضان دراما تاريخية خيالية تتمثل في مسلسل "فاطمة" الذي يبث على قناة "سميرة"، وهو ما نعتبره تطورا في الإنتاج وطبيعة المواضيع المعالجة لهذا العام.

كما يعتبر توهامي أن الدراما الجزائرية في تطور مهم بخصوص نسب المشاهدة العالية على مواقع التواصل الاجتماعي ليس محليا فقط وإنما حتى مغاربيا، وهو مؤشر إيجابي ضروري أن نستثمر فيه، لولوج أسواق مغاربية كتونس وليبيا، من خلال إنتاجات مشتركة، مثلما رأيناه من إنتاج مشترك مع مصر الشقيقة، من خلال إنتاج "حاصلة في كايرو". هذه الإنتاجات المشتركة تفتح آفاق الانتشار عربيا.

ويرى الطيب توهامي أن الانتشار العربي للدراما الجزائرية مرتبط أساسا بتطوير الإنتاجات المشتركة مع عديد الدول العربية، والقدرة على إبداع قصص وحكايات مشتركة، يهتم بها الجمهور العربي. الانتشار العربي مرتبط كذلك بحبك سيناريوهات ذات جودة فنية وقوة فكرية بإمكانها أن تحقق جذب الجماهير العربية، وهو أمر ليس بالهين على ما يعتقد، يحتاج كما يقول إلى مجهودات كبيرة على مستوى الحكايات والقصص والمستوى السردي الذي يستسيغه المتلقي العربي. وتبقى الدارجة الجزائرية الحلقة الأضعف في تسويق الدراما الجزائرية عربيا، لذا نحتاج إلى دبلجة أعمالنا لمختلف الألسن واللهجات العربية كخطوة أولى في استراتيجية الانتشار العربي.

يعتقد الطيب توهامي أن النقص الأساسي للدراما الجزائرية كي تنتشر عربيا الذي يجب أن نتحدث عنه هو الاستدامة الإنتاجية، وعدم ربطها بشهر رمضان الفضيل كما سبق وأن أوضح، فالاستدامة الإنتاجية هي أهم عنصر لتطوير الدراما المحلية بالدرجة الأولى، ثم التفكير في تسويقها عربيا وفق استراتيجية دقيقة شاملة، ولنا مثال في الدراما المختلطة اللبنانية السورية، وكيف فرضت نفسها على الصعيد العربي، وأصبحت أهم دراما تسوق عربيا. كذلك العمل على تطوير حوارات السيناريوهات في الدراما الجزائرية، لأنها تبقى النقطة السوداء التي يجب أن نتجاوزها في المستقبل، فالحوارات تبقى بحاجة إلى التطوير فنيا وجماليا، حتى نتمكن من التأسيس لدراما ناضجة وقوية.

وتبقى حسب الطيب توهامي منافسة الدراما المصرية أو السورية أو اللبنانية صعبة المنال في الوقت الحالي، لأن المستوى المحلي للدراما لا يزال بعيدا عن المستوى العربي، سواء على مستوى الأفكار أو المعالجات السيناريستية، وكذلك على مستوى الانتشار والتسويق الذي يحتاج إلى جهد وعمل كبير للوصول إلى ذلك مستقبلا.

تصالح الجزائريين مع الدراما الجزائرية هو في حد ذاته إنجاز معتبر

يقول الناقد الفني عادل محسن أن الملاحظ للمشهد الدرامي خاصة الرمضاني في الجزائر سيقف على التغيرات الكبيرة التي عرفها إنتاج المسلسلات في العشر سنوات الأخيرة، فبينما كان المشاهد الجزائري أمام عمل واحد أو عملين غالبا قبل ظهور القنوات الخاصة وتغير قوانين السمعي البصري، أصبح اليوم على موعد مع الكثير من الإنتاجات في الموسم الواحد بين الدراما الاجتماعية والكوميديا وغيرها تتجاوز العشرين عملا.

ويشير عادل محسن إلى أن هذا التطور الكمي الواضح صاحبه تطور نوعي تجلى قبل كل شيء في الجانب التقني، وهي نتيجة طبيعية لتمرس التقني الجزائري بعد تراكم تجاربه الإنتاجية خلال السنوات الماضية، كما أن خريجي المعهد العالي لمهن فنون السمعي البصري ببرج الكيفان ومعهد أولاد فايت أثبتوا كفاءاتهم في الميدان وهم اليوم يقدمون صورة جيدة وصوتا نقيا، وإخراجا مميزا وتمثيلا في منتهى الإتقان، تضاف إليهم الكفاءات التي تقدمها المدرسة العليا للموسيقى وكلية الفنون الجميلة في مجالات الموسيقى التصويرية والديكور والإكسسوارات وغيرها، معتبرا ذلك تطورا لا يجب إغفاله في مراحل تأسيس الدراما الجزائرية التي تواصل تشكلها، لأننا ببساطة قبل سنوات لم نكن نستطيع تقديم نفس المستوى الحالي للمشاهد إلا بالاستعانة بتقنيين أجانب.

ويؤكد عادل محسن أن الأعمال المنجزة كل سنة في الدراما التلفزيونية هي نتاج جهود جزائرية بأفكار جزائرية ومواضيع وديكورات أيضا جزائرية، كما أنها غالبا تسعى للخوض في تيمات من واقع الفرد والمجتمع الجزائري تارة ومن تاريخه تارة أخرى، ولكنها مجملا اتخذت نوع الدراما الاجتماعية طريقا لصناعة أغلب الأعمال مع بروز بعض المحاولات في أنواع درامية أخرى مثل الرعب والغرابة في مسلسل "التابعة" الذي بث على قناة النهار العام الماضي، ونوع الدراما التاريخية مثل مسلسل "فاطمة" الذي يعرض على قناة "سميرة تي في" هذه السنة، إضافة إلى التريلر الكوميدي مثل سلسلة "الرباعة"..والتريلر المرتبط بالجريمة والفانتازيا مثل مسلسل "11.11" ...الخ، حيث يرى عادل محسن أن الدراما الاجتماعية هي ما يتصدر المشهد مع تجديد في زوايا تناول المواضيع والإخراج وحتى في التمثيل، وما سمح بذلك نسبيا هي الميزانيات التي تطورت بدورها، حيث صار الممولون يتسابقون لعرض إعلاناتهم مقرونة بالأعمال الدرامية، وهكذا بدأت الدراما الجزائرية في رسم ملامحها بالغوص في المشاكل الاجتماعية للجزائريين مع تقديم نماذج جديدة عن الشخصيات البطلة مثلا، حيث أصبحنا نرى البطل الذي يعاني تناقضات ونقاط ضعف أو ما يعرف بالشخصيات الرمادية التي تكون أكثر إنسانية فهي ليست مثالية، والشيء نفسه ينطبق على الشخصيات الشريرة فهي تحمل شيئا من الخير، وهذا ما جعلها تبدو أعمق وأكثر أهمية مثل شخصيات محمد / كريم دراجي في مسلسل "البراني"، شخصية سامي / اكرم جغيم في مسلسل "بنات المحروسة"...الخ.

ويعتقد أن هذه النقطة المضيئة فيما يخص السيناريو لا تكفي لتبديد عتمة الكتابة الدرامية التي لا تزال أمام تحد كبير لتصل إلى المطلوب.أما من حيث الأداء، بالنسبة لي، لعب التطور التقني دورا كبيراً في إبراز قدرات الممثلين الجزائريين، الذين كان أغلبهم يعانون أمام خيارات ووسائل تقنية تقتل موهبتهم أو تقدمها في صورة رديئة، ذلك أن جودة الصورة والصوت والديكور، والمونتاج وغيرها من مفردات لغة المخرج تساهم بشكلٍ حاسم في إظهار جودة الممثل الذي لم يكن يحظى سابقا بما تتيحه التقنية اليوم فكان ينعكس ذلك على أدائه، أما اليوم فالمخرجون الشباب يتحكمون بشكل كبير في أدوات عملهم، وهو ما يقدم الدراما بصفتها التي عليها اليوم.

حتى من جانب الديكور، أصبحنا نرى منتجين أكثر جرأة من الماضي ففي حين كان أغلبهم يعتمد على أماكن تصوير واقعية مثل كراء منازل أفراد دون أي تعديل عليها، وتفادي التصوير الخارجي إلا نادرا أو في أماكن تخلو من المارة، أصبحنا اليوم نرى ديكورات تنشأ خصيصا للتصوير أغلبها في بلدية العاشور بالعاصمة، حيث يتحكم المخرج في صورته بشكل كامل، كما هو الحال في الاستوديوهات الكبيرة لدى الدول المتقدمة في هذا المجال. وهذه العوامل وأخرى هي ما يمثل اليوم مميزات الدراما الجزائرية.

ويلفت الناقد عادل محسن الانتباه إلى قضية أساسية، حيث يرى أن تصالح الجزائريين مع الدراما الجزائرية هو في حد ذاته إنجاز معتبر، والأرقام الكبيرة التي تحققها مختلف الأعمال الدرامية كل سنة هي مؤشر مهم على ذلك. بالنسبة للمنافسة عربيا، يعتقد عادل محسن أن هناك ظروف موضوعية تتعلق بكون الإنتاج الدرامي عندنا لم يدخل بعد مرحلة الصناعة وأمامه الكثير من التحديات المتعلقة بتنظيم الإشهار، وتكافئ الفرص ووضع ميكانيزمات فعالة من طرف الوزارة الوصية لدفع المنتجين إلى تحسين أعمالهم أكثر.

 من جانب آخر يشير عادل محسن إلى حاجز اللهجة الذي يمكن تجاوزه بشرط التخلي عن الكلمات الفرنسية المعربة أو (المكسرة) إلى الدارجة، وأول انتشار عربي منطقياً يجب أن نسعى إليه حسب محسن هو الوصول إلى المشاهدين في البلدان المجاورة لنا بحكم تقارب اللهجة، وهو الواقع عكسياً مع تونس بصفة خاصة، حيث يتابع الكثير من الجزائريين الأعمال الدرامية التونسية، وهو ما سنبلغه بالعمل أكثر.

يلزمنا وقت طويل لبناء "صناعة" درامية متكاملة ومنافسة

شهدت الدراما الجزائرية تطورا ملحوظا مند أقل من 10سنوات تمثل في إنتاج عدد لا بأس به من المسلسلات. وتميزت بعض الأعمال بالجودة على مستوى الصورة، لكن المعضلة الحقيقية تكمن في ضعف السيناريو، وكذلك ظهور ما يسمى بفكرة "الترند" التي صارت تتحكم في خيارات المخرجين و شركات الإنتاج .

يعتبر المتابع للشأن الفني خالد بن طوبال أن الدراما "سوق استراتيجية" خاصة لما يجتمع الإبداع ويقصد هنا نصوص قوية مع هيكل إنتاجي منظم يعمل على مدار السنة وليس في رمضان فقط وفق قوانين وضوابط تضمن الجودة والتميز، وهما أهم عاملين غائبين في الجزائر، لذلك يقول "لا نستطيع الآن الحديث عن صناعة درامية حقيقية، إضافة إلى أننا لا نملك خططا لتوزيع المسلسلات عبر القنوات التلفزيونية العربية، بل وحتى المغاربية أو المنصات الرقمية التي انتشرت كالفطريات".

ويرى بن طوبال أن الدراما الجزائرية تقريبا شبه غائبة عن المشهد الفني العربي لأنها مناسباتية وليست صناعة دائمة كما هو الحال في مصر والشام ودول الخليج (الكويت والسعودية). كما أن غياب النصوص القوية والمتماسكة أحد أهم العوامل التي أدخلت الدراما في فلك المحلية ....

كما يتوقف بن طوبال عند أكبر معضلة تعاني منها الدراما المحلية وهي الاعتماد على التمويل العمومي أو سبونسور، فغاب الإبداع لما ألغى المنتج المنفذ وظيفة المخرج، مشيرا إلى أن الدراما الجزائرية تفتقر إلى المنتج المنفذ الذي يملك خلفية أكاديمية في إدارة المشاريع الفنية، ما أعاق انتشارها عربيا.

ويخلص خالد بن طوبال إلى القول أنه يمكن للدراما الجزائرية أن تنافس نظيرتها المصرية لو توفرت عوامل عديدة كالجودة والابتكار، لكن الوصول لنفس حجم الانتشار الجماهيري المصري أو السوري يتطلب وقتا طويلا لبناء "صناعة" متكاملة ومنافسة.