اقتصاد

ماركات ألبسة وأحذية جزائرية تعود من بعيد

استثمارات خاصة تُعيد رسم خريطة قطاع النسيج والجلود و"جيتيكس" يحقق اكتفاءً ذاتياً واسعا.

  • 1002
  • 3:27 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تمثل صناعة النسيج والجلود والأحذية في الجزائر قصة اقتصادية تجسد تحولاً استراتيجياً من مرحلة التراجع إلى آفاق النهضة، في رحلة تعكس إرادة وطنية لاستعادة مكانة قطاع كان رائداً إقليمياً خلال السبعينيات والثمانينيات.

لقد شهد القطاع تحولات بدءاً من تسعينيات القرن الماضي، حيث أدى تحرير التجارة إلى انخفاض حاد في الإنتاج المحلي بنسبة تجاوزت 70% في بعض الفروع، وإغلاق عشرات الوحدات الصناعية التابعة لمجمعات القطاع العام، وارتفاع فاتورة الاستيراد إلى مستويات عالية سنوياً، وهجرة للكفاءات والخبرات التقنية. لكن المنحنى انقلب بشكل جذري مع تبني رؤية اقتصادية جديدة تقوم على إستراتيجية الإحلال محل الواردات كمدخل للسيادة الاقتصادية، وإعادة بعث الصناعة الوطنية كرافد أساسي لخلق الثروة، وتحويل التحديات إلى فرص لتمكين الشباب والنساء في سوق العمل.

وتظهر مؤشرات النهضة من خلال إنجازات نوعية في الإنتاج والتغطية، حيث حقق مجمع "جيتيكس" قفزة نوعية بتغطية نحو ربع من السوق المحلية العامة، مع وصول إلى اكتفاء ذاتي لاحتياجات الهيئات النظامية، وتغطية 30-50% من سوق ملابس النساء والأطفال بجودة تنافسية، وتحقيق نسبة اكتفاء ذاتي عالية في الجلود، وإنتاج 3 ملايين حذاء سنوياً.

وقد دعمت هذه القفزة استثمارات معتبرة لتحديث الآلات والمعدات، وإنشاء مركز امتياز وطني للتكوين في البويرة متخصص في مهن النسيج والجلود، وتأهيل أكثر من 5000 تقني ومهني سنوياً عبر برامج تكوين متطورة. كما تجلت ديناميكية القطاع الخاص من خلال انتشار أكثر من 3000 ورشة صغيرة ومتوسطة عبر التراب الوطني، مع تركيز النشاط في الأقطاب التقليدية وهي تلمسان (الأحذية الفاخرة)، والمدية، وبرج بوعريريج، وسطيف، وغرداية، مما أسهم في استحداث أكثر من 50000 منصب شغل مباشر خلال السنوات الثلاث الأخيرة،يضاف اليها تشكل المجمع الجزائري التركي للنسيج تايال في ديسمبر 2013 بالمنطقة الصناعية سيدي خطاب بغليزان.

يذكر أن الشركة القابضة "جيتيكس" التي تأسست في فبراير 2015 برأسمال يزيد عن 10 مليارات دينار وتشغل أكثر من 8000 عامل، تشمل خمس شركات فرعية متخصصة في المنسوجات والملابس والجلود، وتمثل النواة الأساسية لإستراتيجية إعادة إحياء هذا القطاع الاستراتيجي الذي يهدف إلى خلق قيمة مضافة وتوفير مناصب شغل دائمة والمساهمة في تقليص فاتورة الواردات.

وجاء التحول نتيجة لآليات محركة قوية، تمثلت في إطار قانوني محفز يشمل قانون الاستثمار الجديد بامتيازات ضريبية وجمركية، وقانون العقار الصناعي الذي يسهل حصول المستثمرين على الأراضي، ونظام المشتريات العمومية الذي يمنح أولوية 25% للمنتج الوطني. كما ساهمت الشراكات الإستراتيجية في دفع العجلة، عبر شراكة رائدة مع مصنع "تايال" في غليزان لإنتاج علامات عالمية، وتعاون مع خبراء إيطاليين وأتراك في مجال التصميم والتكنولوجيا، واتفاقيات مع جامعات ومراكز بحث دولية لنقل المعرفة.

وجاءت سياسات الحماية والتشجيع مكملةً عبر حظر استيراد 156 منتجاً يمكن تصنيعها محلياً، وحوافز للتصدير تصل إلى 30% من قيمة الصادرات، ودعم أسعار المواد الأولية للمنتجين المحليين.

غير أن الطريق نحو ريادة حقيقية لا يزال يحمل تحديات رئيسية، أبرزها اعتماد القطاع على الاستيراد بنسبة 90% من مواد النسيج الأولية، وفجوة الإنتاج التي لا تتجاوز تغطية 8% من الطلب الوطني على المنسوجات، وتحديات التسويق وبناء ثقة المستهلك في المنتج المحلي، والحاجة الملحة للتحديث والانتقال إلى الصناعة 4.0. وفي المقابل، تفتح الفرص الإستراتيجية أبواباً واسعة أمام القطاع، من خلال الاستفادة من اتفاقيات دولية كمنطقة التجارة الحرة الأفريقية، والمزايا النسبية المتجسدة في توفر المواد الأولية من القطن والجلود والصوف، والسوق المحلية الواسعة التي تضم 45 مليون مستهلك محتمل، والقرب الجغرافي الذي يتيح الوصول إلى أسواق أوروبا وأفريقيا.

وتستشرف الرؤية المستقبلية 2030 آفاقاً طموحة تقوم على ثلاثة محاور أساسية يركز المحور الأول على التكامل الرأسي عبر إنتاج مليون قنطار قطن سنوياً عبر استصلاح 500 ألف هكتار، وإنشاء 5 وحدات متكاملة لمعالجة الجلود محلياً، وتطوير صناعة الألياف الاصطناعية باستثمارات تصل إلى 3 مليارات دولار، ويتجه المحور الثاني نحو التصدير باستهداف 15% من صادرات منطقة الساحل الأفريقي، والوصول إلى 10% من سوق الملابس الجاهزة في المنطقة المغاربية، وتطوير "العلامة الجزائرية" كرمز للجودة والأصالة. بينما يحقق المحور الثالث التحول الرقمي عبر إنشاء منصة وطنية للتجارة الإلكترونية للمنتجات المحلية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التصميم والتصنيع، وتطوير تطبيقات للواقع الافتراضي في التسويق.

وتمثل نهضة قطاع النسيج والجلود والأحذية في الجزائر، في خاتمة المطاف، نموذجاً ناجحاً لتحقيق السيادة الاقتصادية، وتشكل أساساً متيناً لتحقيق الرؤية الطموحة 2030، التي تهدف إلى جعل الجزائر مركزاً إقليمياً للصناعات النسيجية، والوصول بصادرات القطاع إلى مستوى عال، وتوفير فرص عمل جديدة، وتقليص فاتورة الاستيراد.

وهكذا، فإن هذه النهضة لا تمثل فقط إحياءً لقطاع اقتصادي، بل هي تجسيد لإرادة وطنية في بناء اقتصاد منتج ومستقل، قادر على المنافسة العالمية والريادة الإقليمية، في إطار رؤية شاملة تجمع بين الأصالة والحداثة، والجودة والتنافسية، والإنتاج والتسويق.