اقتصاد

شرايين الطاقة العالمية تهتز

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تحسم في ساحات القتال فحسب، بل تُكتَب نهاياتها في بورصات الطاقة وأسواق المال وسلاسل الإمداد العالمية.

  • 1130
  • 3:11 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تحسم في ساحات القتال فحسب، بل تُكتَب نهاياتها في بورصات الطاقة وأسواق المال وسلاسل الإمداد العالمية. فمع إغلاق مضيق هرمز، ذلك الشريان الضيق الذي يمر عبره 20% من إنتاج النفط العالمي وحوالي ربع إمدادات الغاز المسال، تحول الصراع المحتدم بين إيران والولايات المتحدة من مواجهة عسكرية محدودة إلى زلزال اقتصادي شامل، ارتدت موجاته من طهران إلى وول ستريت ومن بكين إلى لندن.

أغلقت أسواق النفط تعاملات الأسبوع على مستويات غير مسبوقة، حيث قفز خام برنت فوق حاجز 103 دولارات للبرميل، مسجلا مكاسب أسبوعية تجاوزت 2.6%، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3.1% ليلمس 98.7 دولارا. ولم تكن هذه الأرقام مجرد أرقام قياسية عابرة، بل كانت إيذانا ببدء مرحلة جديدة من الاقتصاد العالمي، مرحلة يعود فيها النفط ليكون المحرك الرئيسي للتضخم والمعطل الأول لخطط البنوك المركزية والمهدد الأكبر للنمو في القارات العجوز والناشئة على السواء.

تأثيرات الحرب من مضخة الوقود إلى موائد الطعام

في تحليل صادر عن شركة "بيرنشتاين" للاستثمار والأبحاث المالية، حذر محللون من أن ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار يشكل تهديدا وجوديا لهوامش أرباح شركات الطيران، ذلك أن وقود الطائرات يمثل أحد أكبر بنود النفقات التشغيلية. وعندما تأتي الزيادة نتيجة صدمة في المعروض لا في الطلب، تجد الناقلات الجوية صعوبة قصوى في تمرير التكاليف الإضافية إلى الركاب بسرعة، ما يضغط بشدة على هوامش الربح.

بالمقابل، اهتزت مؤشرات الأسهم العالمية في ختام الأسبوع، بينما واصل الدولار الأمريكي مكاسبه، خالقا بيئة صعبة للذهب الذي فشل في جذب طلب شرائي قوي رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية. هذا التناقض الظاهري يعكس حقيقة أن الأسواق تراهن على استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي النسبي، حتى في وجه الصدمة النفطية.

في أوروبا، كان الرد أقسى. فمع إغلاق مضيق هرمز، تراجعت الأسواق بشدة، ثم هوت أكثر عندما أغلقت قطر منشآت الغاز المسال، مذكّرة العالم بأن 90% من شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة للمضيق تتجه إلى الأسواق الآسيوية، لكن تأثيرها على الأسعار عالمي، وأن أي اضطراب في الإمدادات يرفع التكلفة على الجميع.

المستهلك الأمريكي تحت الضغط

في الولايات المتحدة، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى مصدر صاف للنفط، ومن نهاية الأسبوع الأول من مارس، قفزت أسعار الوقود المحلية بأكثر من 10% بالتزامن مع ارتفاع النفط فوق 90 دولارا، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. بلغ متوسط سعر البنزين العادي 3.32 دولارات للغالون، بزيادة 11% عن الأسبوع السابق، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر 2024. أما الديزل فقفز إلى 4.33 دولارات، مرتفعا 15%، مسجلا أعلى مستوى منذ نوفمبر 2023.

وتتوقع الحكومة الأمريكية عدم عودة أسعار البنزين بالتجزئة إلى مستويات عام 2025 إلا في خريف 2027، بينما سيبقى سعر الديزل أعلى من مستواه قبل الحرب حتى نهاية العام المقبل على الأقل. وهذا يعني أن قطاعات النقل بالشاحنات والزراعة والطيران ستمرر الزيادات إلى المستهلكين، ما يعيد إشعال فتيل التضخم.

لم تعد الصدمة النفطية تقتصر على مسألة الأسعار فحسب، بل تمتد لتشمل سلامة سلسلة الإمداد والقدرة على تلبية احتياجات الدول التي تعتمد في وارداتها النفطية على دول الخليج العربية، التي تمر صادراتها أساسا عبر مضيق هرمز. وتتركز هذه الإشكالية لدى الصين والهند وكوريا الجنوبية، التي تستحوذ مجتمعة على ما يقارب ثلثي كميات النفط العابرة عبر المضيق، وينطبق الأمر ذاته على الغاز الطبيعي. وتبدو الدول الآسيوية الأكثر تضررا وانكشافا للاضطرابات اللوجستية التي يشهدها المضيق، نظرا إلى اعتمادها الكبير على إمدادات الغاز القادمة من منطقة الشرق الأوسط. فما يقارب 90% من شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة عبر المضيق تتجه إلى الأسواق الآسيوية، وتستحوذ الصين على الحصة الأكبر منها، ويمر نحو 40% من وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز. غير أن الصين تمتلك مخزونات استراتيجية كبيرة يمكن أن تسهم في امتصاص جزء من أي نقص محتمل في الإمدادات.

ويمكن قراءة الحرب الدائرة في الخليج على أنها تجسيد لما أسماه كلير "حروب الموارد"، حيث تتصارع القوى الكبرى على تأمين إمدادات الطاقة في عالم يتسم بالندرة وتزايد الطلب. فالمنطقة التي يتركز فيها 47.7% من الاحتياطي العالمي للنفط و42.7% من احتياطي الغاز، أصبحت مسرحا لصراع وجودي بين الولايات المتحدة وإيران، تعيد من خلاله واشنطن رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط وتؤمن خطوط إمداد حلفائها وتحرم الخصوم من أدوات الضغط.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع