في ظل الحرب القائمة هذه الأيام والاعتداء الغاشم على إيران من طرف بني صهيون والغرب الصليبي، تبرز قضية الوحدة الإسلامية من جديد. إن قضية الوحدة الإسلامية هي من القضايا الكبرى التي شغلت الضمير والفكر الإسلامي في القرون السالفة وطيلة القرن العشرين وإلى الآن، وقد يتصوّر البعض أن الحديث عن الوحدة الإسلامية في هذا العصر فيه نوعا من المثالية وضربا من الخيال، نظرا لما آل إليه حال المسلمين من الفرقة والاختلاف، الأمر الذي يجعل لمّ الشمل قضية صعبة، مما يدفع الكثير إلى اليأس والاستسلام للواقع المؤلم وهذا لا يزيد الجرح إلا اتساعا. وفي المقابل، هناك العديد من المخلصين الذين نذروا أنفسهم للتقريب بين المسلمين وكرّسوا جهودهم لتضميد هذا الجُرح، هؤلاء انطلقوا على أساس الإحساس بالمسؤولية والشعور بالتكليف الشرعي والحرص على وحدة صف الأمة.
فالوحدة الإسلامية غاية وهدف يجب أن يطلبه كل مؤمن، ومن لم يؤمن بأن المؤمنين أمة واحدة فقد عاند نصوص القرآن، وخالف حكمته وجانب دعوته، ودخل ضمن من يشاقون الله ورسوله والمؤمنين، وقد قال تعالى: {ومن يُشاقِق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}.
وحدة المسلمين واجبة بنص القرآن الكريم، وسنة سيد المرسلين، وإجماع الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين على مر العصور، فقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على طلب الشارع لوحدة المسلمين، يقول تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلكم تهتدون}، فقد أمر الأمة جميعا بالاعتصام بحبل الله، ولم يوجه الأمر بالاعتصام بحبل الله إلى الأفراد وإن كان واجبا على كل فرد على حدى، وقوله تعالى: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} أمرهم تعالى بالطاعة لله ولرسوله، ونهاهم عن التنازع وهو تجاذب الآراء وافتراقها.
كما وردت في السنة النبوية المطهرة أحاديث كثيرة تؤكد ما ورد في القرآن الكريم من الأمر بالوحدة والاجتماع والنهي عن الاختلاف والفرقة، ومن تلك الأحاديث قوله صلّى الله عليه وسلم: “إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال”، قال النووي رحمه الله: “وأما قوله صلّى الله عليه وسلم: “ولا تفرقوا” فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام، واعلم أن الثلاثة المرضية إحداها: أن يعبدوه، الثانية: أن لا يشركوا به شيئا، الثالثة: أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا”. قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: “كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله”.
ليست الوحدة بين المسلمين مجرد شعار يرفع أو وحدة شكلية بلا مضمون أو وحدة ذات أهداف ومطامع مادية ومصالح خاصة، كلا إنها وحدة ترمي إلى تحقيق أهداف سامية، ولقد لخص لنا الشيخ محمد أبو زهرة هذه الأهداف في النقاط التالية:
-أهداف فكرية: فهي تهدف إلى الدعوة إلى الله قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}.
-أهداف اجتماعية: فهي تهدف إلى التقريب بين الشعوب الإسلامية، عبر تسهيل التقارب والتنقل والأسفار، وتهدف أيضا إلى محاربة العادات والتقاليد الجاهلية المقيتة.
-أهداف سياسية: إذ تهدف إلى جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفهم وتأليف بعضهم إلى بعض.
-أهداف مادية: تسعى إلى إعداد القوة والاستفادة من الثروات المادية الهائلة التي تحويها بلاد المسلمين، واستغلال الثروة البشرية الكبيرة التي تضمها الأقطار الإسلامية.
تنبع أهمية وحدة المسلمين من أنها سبيل لرصّ صفوفهم، ولمّ شعثهم، وجعلهم كيانا وجسدا واحدا، على اختلاف أعراقهم وأنسابهم وألوانهم وبلدانهم، والوحدة مطلب وهدف ترنو إليه المجتمعات البشرية كلها، وتبذل كل ما لديها للوصول إليه، فوحدة المسلمين مؤدية إلى قوتهم ومنعتهم وعزتم، فلا ينال أعداؤهم بها منهم.
إننا في حاجة ماسة إلى الوحدة الإسلامية، إلى مفهوم الجسد الواحد الذي يتألم إذا اشتكى منه عضو، والبنيان الواحد الذي يشدّ بعضه بعضا الذي يصعب اختراقه أو التمكن منه. الوحدة الإسلامية هي سبيل المسلمين لتحقيق الرقي والتقدم، حيث أن التاريخ الإسلامي يضرب أكبر الأمثلة في ذلك، فعندما كانت الأمة العربية والإسلامية متوحدة متحدة كان التقدم والرخاء والعظمة، وعندما تفككت ساد الجهل والتخلف والضعف والوهن. إن وحدة المسلمين مُفْضية -من غير شك- إلى قوتهم وعزتهم، كما أن فرقتهم سبيل إلى ضعفهم وخذلانهم، وهوانهم على أعدائهم.
وغياب الإخاء بين المسلمين اليوم على الوجه الذي شرعه الله عز وجل قد جعلهم أشتاتا متفرقين، وفي كثير من الأحيان متنافرين متنازعين، فوهنت -تبعا لذلك- قوتهم، وسهُل على الأعداء كسرهم ودحرهم.
الخبر
29/03/2026 - 22:49
الخبر
29/03/2026 - 22:49
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال