اسلاميات

أين الصراط المستقيم؟!

سبب الانحراف عن طريقه صلى الله عليه وسلّم إما الجهل بها أو الخروج عليها

  • 155
  • 1:33 دقيقة
الشيخ عبد المالك واضح*
الشيخ عبد المالك واضح*

قال شيخ الوعاظ ابن الجوزي رحمه الله: نظرت في قول أبي الدرداء رضي الله عنه: “ما أعرف شيئا مما كنا عليه اليوم إلا القِبلة”، فقلت: واعجبا، كيف لو رآنا اليوم وما معنا من الشريعة إلا الرسم، الشريعة هي الطريق، وإنما تعرف شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلّم إما بأفعاله أو أقواله.

وسبب الانحراف عن طريقه صلى الله عليه وسلّم إما الجهل بها أو الخروج عليها، فيجري الإنسان مع الطبع والعادات، وربما اتخذ ما يضاد الشريعة طريقا، وقد كانت الصحابة شاهدته وسمعت منه فقلَّ أن ينحرف أحد منهم عن جادته، إلا أن أبا الدرداء رضي الله عنه رأى بعض الانحراف لميل الطباع فضج، فإنه قد يعرف الإنسان الصواب، غير أن طبعه يميل عنه.

وما زالت الأحاديث المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم وأصحابه رضي الله عنهم يَقِلُّ الإسعاد بها والنظر فيها إلى أن أُعرض عنها بالكلية في زماننا هذا وجهلت إلا النادر، واتخذت طرائق تضاد الشريعة وصارت عادات، وكانت أسهل عند الخلق من اتباع الشريعة، وإذا كان عامة من ينسب إلى العلم قد أعرض عن علوم الشريعة، فكيف العوام؟

ولما أعرض كثير من العلماء عن المنقولات ابتدعوا في الأصول والفروع، فالأصوليون تشاغلوا بالكلام وأخذوه من الفلاسفة وعلماء المنطق، ودخلت أيدي الفروعيين في ذلك فتشاغلوا بالجدل، وتركوا الحديث الذي يدور عليه الحُكم، ثم رأى القصاص (الوعاظ) أن النفاق بالنفاق، فأقبل قوم منهم على التلبيس بالزهد ومقصودهم الدنيا، ورأى جمهورهم أن القلوب تميل إلى الأغاني، فأحضروا المطربين من القراء وأنشدوا أشعار الغزل، وتركوا الاشتغال بالحديث، ولم يلتفتوا إلى نهي العوام عن الربا والزنا، وأمرهم بالواجبات، وصار متكلمهم يقطع المجلس بذكر ليلى والمجنون والطور وموسى وأبي يزيد والحلاج والهذيان الذي لا محصول له.

وانفرد أقوام بالتزهد والانقطاع، فامتنعوا عن عيادة المرضى، والمشي بين الناس، وأظهروا التخاشع، ووضعوا كتبا للرياضات، والتقلل من الطعام، وصارت الشريعة عندهم كلام أبي يزيد والشبلي والمتصوفة، ومعلوم أن مَن سَبَرَ الشريعة لم ير فيها من ذاك شيئا.. والله ولي التوفيق.

*إمام مسجد عمر بن الخطاب - بن غازي - براقي