إن اندلاع الحرائق في الغابات ليس بالشيء الجديد، وحتى جريمة إشعال النّار عمدا في الغابات ليس بالشيء الجديد، فالمجرمون الذين يقترفون هذه الجريمة النكراء لم يخلُ منهم زمن. وإذا كان بعضهم يعاني مرضا نفسيا، فإن أكثرهم مريض القلب: عميل مأجور، أو أحمق مغرور، وهؤلاء لا حلّ معهم إلا العقوبة الصّارمة الرادعة: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يُصلّبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أَو يُنفَوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) المائدة:33.
وأما التقليل من حرائق الغابات وآثارها فيحتاج إلى إستراتيجية وطنية متطورة يضعها الخبراء، وتوضع لها الميزانيات المناسبة، وينخرط فيها الجميع من أعلى مؤسسات الدولة إلى كل فرد منا.
وإنما الذي يؤلم الألم المُمِض هو الضحايا الذين نفقدهم جرّاءها، لولا الرجاء في رحمة الله تعالى أن يحشرهم في زمرة الشهداء، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «الشهداء سبعة، سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحَرِق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد» رواه مالك. فنسأل الله تعالى أن يكتب لضحايا الحرائق جميعهم أجر الشهداء، ويرحمهم برحمته الوسيعة، وهو سبحانه أرحم الرحماء.
ثم إنه ليس بالجديد أيضا وقوف الجزائريين وقفة رجل واحد لمجابهة الكارثة وآثارها، ولا يسع من يشاهد تفاني رجال الحماية المدنية في مكافحة النار، ومن وراءهم من مختلف الأسلاك الأمنية، وجيش المتطوعين من الشباب وهم يواجهون إعصار اللهب بما تيسر، لا يسعه إلا أن يقف مُحيّيًّا إجلالا للتّضحية والشّجاعة.
كما لا يسع من يرى قوافل المساعدات من كل حدب تتسارع لإغاثة المنكوبين إلا أن يقف وقفة إجلال لشعب جسّد قول نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: «إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا»، وشبّك أصابعه. رواه البخاريّ ومسلم.
والحق أن الشيء من معدنه لا يُستغرب، فهكذا هو الشعب الجزائري، وسيبقى، رغم كل جهود المتغربين والحداثيين والعلمانيين التي يبذلونها لتغيير قيمه ومبادئه، وبالتالي هويته وطبيعته، سيبقى الجزائري جزائريا متمسكا بدينه، ومتشبثا بوحدته، يحركه إيمانه لفعل الخير تطوعا واحتسابا، ويدفعه إسلامه لإغاثة إخوانه طاعة وإحسانا.
واسمحوا لي بعد هذه الومضة عن حرائق الغابات أن انتقل إلى الكلام على حرائق من نوع آخر، حرائق أخطر وأعظم أثرا، لكن حرَقَها ناعم فلا يشعر به إلا القلة القليلة من العالمين، وإني أزعم أنها لو أطفئت ستنطفئ لانطفاءتها نيران كثيرة، يحرق بعضها قلوب الضعفاء والفقراء، ويحرق بعضها قلوب المصلحين والعلماء، هذه الحرائق الكبرى التي هي سبب الحرائق الصغرى التي يصطلي بنارها كل فرد منا، ويصطلي بها المجتمع بكل مكوناته، بل تصطلي بها دولنا وأمتنا أيضا. هذه الحرائق هي الحرائق الحضارية، التي تستنزف طاقاتنا ومقدراتنا، وتغذي تخلفنا وضعفنا. والتي غطت كل جوانب حياتنا، فهي حرائق حضارية في السياسة، وحرائق حضارية في التعليم من الابتدائي إلى الجامعة، وحرائق حضارية في الاقتصاد، وحرائق حضارية في التدين فهما وتنزيلا، وحرائق حضارية في الثقافة، وحرائق حضارية في الفكر... الخ، حرائق يغفل عنها كثيرون، ويجهلها كثيرون، ويتغافل عنها كثيرون، وينشغلون بما هو دونها من مشاكل وحرائق، مما هو في الأصل نِتاج هذه الحرائق الحضارية وثمرتها، وفي الوقت الذي نزهو إعجابا بهبة الجزائريين بكل أطيافهم وأصنافهم نصرة لإخوانهم المنكوبين ومساندة لهم، تاركين اختلافاتهم الواسعة وحساباتهم الضيقة جانبا، نقف متعجبين من تثاقلهم الشديد، ولا مبالاتهم المقيتة، وسلبيتهم القاتلة أمام الحرائق الحضارية، إذ هي لا تعني الغالبية الغالبة، بل يَنْفُر منها ويُنَفِّر من الاهتمام بها والحرص على إطفائها وإشعال شموع الحضارة، ويثبط الآخرين الأكثرية الكاثرة. مع أن كل المسلمين يحفظون قول الله عز شأنه: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدْوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) المائدة:2، فكيف نتعاون في الأمور الصغيرة (وهذا واجب بلا شك)، ولا نتعاون في الأمور الكبيرة؟! إن هذا لشيء عجاب!. وإن من البديهي أن معالجة الحرائق الحضارية والانطلاق في مدارج الحضارة صُعدا سيؤدي بلا شك إلى اضمحلال الكثير من المشاكل والقصور والضعف الذي نعاني منه في شتى مجالات الحياة نهائيا أو جزئيا، وستتوفر لنا إمكانات أكبر لتحقيق حياة كريمة ولمواجهة المصائب والجوائح والكوارث العامة. ومع وضوح هذه الفكرة ما زلنا نهدر طاقاتنا ومقدراتنا وأوقاتنا في الحلول الترقيعية، وننتظر الكوارث تقرعنا أو تحل قريبا منا لنفجر طاقاتنا ونصير يدا واحدة، فإلى متى نبقى في خانة الانفعال سريع الخمود؟! ومتى نقفز إلى خانة الفاعلية التي لا تعرف الحدود؟!
الحق أن الأستاذ الكبير مالكا بن نبي رحمه الله لم يكن مخطئا ولا مبالغا في قوله: ”.. إن المشاكل العديدة التي نطلق على مجموعها مصطلح (التخلف)، هي في الواقع تعبيرات مختلفة عن مشكلة واحدة ومفردة تواجه كل بلاد متخلّفة، أي أنها مشكلة (حضارة)”، ”والمشكلة القائمة من طنجة إلى جاكرتا، وهي في جوهرها مشكلة حضارة”. فلا مخرج لنا من هذا الوضع إلا بالتعاون على إطفاء الحرائق الحضارية التي تلتهم نفسياتنا وأملنا، وتلتهم مقدراتنا وإمكاناتنا، وتلتهم ثمار ونتاج الأعمال التي نقوم بها والجهود التي نبذلها، وتلتهم كل لبنة نضعها في بنائنا الحضاري المنشود، ولو نهب لإطفائها هبة شبيهة لهبتنا لإطفاء حرائق الغابات، ونكون مبادرين لا منفعلين، لتغيّر حالنا وتحسّن وضعنا، وما ذلك على الله بعزيز، الخطوة الأولى أن نصلح ذهنياتنا وتفكيرنا، ونفوسنا: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد:11.
الخبر
09/09/2026 - 22:34
الخبر
09/09/2026 - 22:34
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المحتوى