كما كان متوقعا، تمكن الكيان الصهيوني من الوصول إلى المرشد الأعلى آية الله خامنئي في قصف استهدف مكتبه في طهران وتحييده ضمن سلسلة من القيادات الإيرانية التي تم تحييدها في اليوم الأول للمواجهة التي بدأت السبت، لكن الأسئلة المتلاحقة، ترتبط بتأثيرات غيابه عن المشهد القيادي والداخلي في إيران ومستقبل النظام السياسي القائم وما إذا كان لغيابه أي تأثير مباشر على قدرة طهران في الصمود ومنع الولايات المتحدة والكيان من تحقيق الهدف الرئيس من هذه الحرب وهو تغيير النظام.
لسببين على الأقل، لا يبدو اغتيال المرشد حدثا مفاجئا ولم يحدث مفاجأة مدوية في إيران أو في خارجها مقارنة باغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، على الأقل بعد حرب الـ 12 يوما في الصيف الماضي، ظهر أن إيران تعاني من اختراق عميق في منظومتها الأمنية والعسكرية والسياسية الداخلية، وبدا أنها كانت في حالة انكشاف تام بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية والصهيونية، وهو ما فسر السهولة التي نجح فيها الكيان وواشنطن في اغتيال عدد من قيادات الصف الأول في الحرب السابقة وقبلها تفجير طائرة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ورئيس حركة حماس إسماعيل هنية، وفي المقام الثاني أن ذلك جعل القيادة الإيرانية تضع بشكل كبير احتمالات أن تعمد كل من واشنطن والكيان إلى السعي إلى اغتيال المرشد، ليس فحسب لإحداث وتعزيز الخلخلة الداخلية في إيران، ولكن أيضا كون أن الهدف الرئيسي لهذه الحرب، مثلما هو واضح، هو تغيير النظام، وبالتالي فإن تحييد الرجل الأول في رأس النظام ورمزه الديني، يصبح ضرورة بالنسبة للهدف السياسي المعلن.
بالعودة قليلا إلى الوراء، سيتضح أن المرشد خامنئي ومجمل تركيبة النظام في إيران، كانت قد استعدت مبكرا لمرحلة ما بعد خامنئي، وجهّزت بشكل كامل لهذا السيناريو، ذلك أنه وقبل فترة قليلة من بدء الحرب، كان المرشد الإيراني يعلن أنه كتب وصية اغتياله فوّض فيها صلاحيات إلى دائرة ضيقة من المقرّبين لاتخاذ القرارات إذا انقطعت الاتصالات معه أو قُتل، وحدد خامنئي أسماء ثلاثة من كبار رجال الدين في إيران كمرشحين لخلافته التي قدمها مجلس خبراء القيادة نجل المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ورجل الدين آية الله أعرافي وآية الله بوشهري، كما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأسبوع الماضي، نقلا عن مسؤولين إيرانيين كبار، عن أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، كان قد كلّف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، أحد أبرز رجاله الموثوقين بهم، بإدارة شؤون البلاد في حال اغتياله.
يفهم من ذلك أن السلطة الدينية والسياسية والعسكرية في إيران، كانت بصدد تجهيز نفسها مبكرا للتعامل مع وضع يتعلق بغياب المرشد، وهذا بحد ذاته ما يفسر عدم وجود اهتزاز كبير في إيران نتيجة الإعلان عن اغتيال المرشد، إضافة إلى أن طبيعة الهرمية للنظام الإيراني، وغير المتمركزة ماديا حول شخص المرشد، وفّرت ليونة كبيرة لصناع القرار في إيران في إعادة تشكيل سريع لهرم القيادة في اللحظة الصعبة.
غير أنه وبرغم وصية خامنئي، فإن السلطة في طهران فضلت الاعتماد على النص الدستوري، كما هو واضح بدلا من الاعتماد على وصية خامنئي، والإنحياز إلى الخيار المؤسسي على سلطة القرار الديني، وهو تحول مهم، إذ تم العمل وفقا للمادة 111 من الدستور الإيراني، التي تنص على أنه "في حالة وفاة القائد أو استقالته أو عزله، يلتزم مجلس الخبراء باتخاذ الإجراءات اللازمة في أسرع وقت ممكن لتعيين قائد جديد، وحتى تعيين القائد، يتولى مجلس مؤلف من الرئيس ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة النظام المنتخب من قبل مجلس تقدير مصلحة النظام جميع مهام القائد مؤقتا".
رغم ذلك يبقى السؤال قائما ما إذا كانت طهران بحكم طبيعة النظام المنحاز إلى السلطة الدينية التي ظلت منذ عام 1979 متمركزة في نطاق عائلة الخميني، سيكون لها تبعات فيما يتعلق بقدرة النظام على الصمود اتجاه الحرب والموجبات الأجنبية الساعية إلى انهياره من جهة، ومن جهة ثانية ما إذا كان هذا الغياب قد يفجّر خلافات داخلية حول تركة المرشد الديني والميراث السياسي والمادي لعائلة الخميني التي تم إنهاء وجودها بعد اغتيال خامنئي واحتمال تحييد نجله مجتبي وكذا لطبيعة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين حول السلطة.
وهو صراع تسبب في كثير من المراحل في مشكلات معقدة في الداخل الإيراني، لكنه قد يجد في غياب الخامنائية فرصة كبيرة لبروزه على أوسع نطاق، وهو ما يبدو واضحا من خلال أسماء المرشحين لشغل منصب المرشد، إذ تبرز كتلة المحافظين ممثلة في عضو مجلس صيانة الدستور أحمد حسنين خراساني ونجل علي خامنئي محتبى خامنئي، وحفيد الخميني حسين خميني، ومحمد ميرباقري وهو زعيم جناد الصمود المتشدد، ونائب رئيس مجلس خبراء القيادة هاشم حسيني بوشهري، وعضو المجلس محسن أراكي، وكتلة الإصلاحيين يتقدمهم الرئيس السابق حسين روحاني وعلى رضا أعرافي وهو أحد أبرز المراجع الدينية وخطيب جمعة قم والمرشح الأقرب وعبد الله الجوادي أحد أبرز المراجع الدينية.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال