العالم

حرب ترامب على إيران تهدد مقعده في البيت الأبيض

وجد الرئيس دونالد ترامب نفسه في مرمى نيران انتقادات متزايدة من الديمقراطيين، بل ومن بعض الجمهوريين.

  • 1289
  • 3:35 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في خطوة وصفتها واشنطن بـ"الأكثر جرأة" منذ توليه الرئاسة، أقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 28 فبراير، على شن هجوم عسكري واسع ضد إيران بالتعاون مع الكيان الصهيوني، أسفر عن مقتل أكثر من 201 شخص بينهم العشرات من الأطفال، واغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة. لكن هذا القرار الذي بدا وكأنه انتصار سريع في معركة خارجية، فتح جبهة داخلية ساخنة في الولايات المتحدة، حيث انقسمت الطبقة السياسية بين مؤيد متحمس ومعارض شرس، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول "ضربة النصر" إلى كابوس انتخابي يطارد ترامب والجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

لا يزال العدوان العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران يثير جدلاً محموماً في الأوساط السياسية الأمريكية، حيث وجد الرئيس دونالد ترامب نفسه في مرمى نيران انتقادات متزايدة من الديمقراطيين، بل ومن بعض الجمهوريين، مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر الثاني المقبل. هذه الانتخابات لن تحدد فقط السيطرة على الكونغرس، بل سترسم أيضاً ملامح الطريق نحو البيت الأبيض في انتخابات الرئاسة القادمة.

ففي 28 فبراير، أعطى ترامب الضوء الأخضر لشن هجوم عسكري واسع النطاق على إيران، بمشاركة صهيونية، أسفر عن مقتل 201 شخصاً على الأقل، غالبيتهم من الأطفال، وفقاً لتقارير أولية. وكان أبرز ضحايا الهجوم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إلى جانب عدد من القيادات العسكرية والسياسية البارزة في طهران، مما خلق فراغاً هائلاً في السلطة وأشعل فتيل توتر إقليمي قد لا يمكن السيطرة عليه.

كشفت استطلاعات الرأي الأولية، التي نقلتها الصحف الأمريكية، عن انقسام حاد على أسس حزبية في تقييم هذه الحرب. ففي الوقت الذي أيد فيه 68% من الجمهوريين القرار العسكري، معتبرينه "ضرورياً لمواجهة التهديد الإيراني الوشيك وحماية المصالح الأمريكية"، كما وصفه رئيس مجلس النواب مايك جونسون، فإن المعسكر الديمقراطي عبّر عن رفضه الساحق، حيث عارض 90% منهم الهجوم. وانتقد زعماء الأقلية في الكونغرس، مثل حكيم جيفريز وتشاك شومر، غياب التفويض التشريعي والافتقار إلى "الوضوح الاستراتيجي"، معتبرين أن الحرب "غير شرعية" وتعرّض القوات الأمريكية للخطر دون مبرر واضح.

وبرزت أصوات معارضة قوية من التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي، حيث وصفت النائبة رشيدة طالب الحرب بأنها "غير قانونية"، وحذرت ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز من أنها "كارثية"، مؤكدتين أن الشعب الأمريكي الذي انتخب ترامب لإنهاء الحروب لن يقبل بجرّه إلى مستنقع جديد في الشرق الأوسط، لكن اللافت كان ظهور بعض الأصوات المنشقة داخل الحزبين، حيث في الوقت الذي عارض الجمهوري توماس ماسي الحرب علناً، خرج الديمقراطي جون فيترمان ليؤيد القرار، في مشهد يعكس تشظي التحالفات التقليدية.

بولتون: قرار تاريخي لكنه ينذر بفوضى عارمة

في خضم هذا الجدل، خرج مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، جون بولتون، ليلقي بحجر ثقيل في بركة السياسة الأمريكية. ففي مقال نشره موقع "بوليتيكو"، وصف بولتون، وهو صقور مخضرم خدم في إدارات ريغان وبوش الأب والابن، الضربة بأنها "أكثر القرارات أهمية في رئاسة ترامب"، لكنه وبصوت المشير الحكيم، أطلق تحذيراً شديد اللهجة من تداعياتها.

وأشاد بولتون بالقضاء على رأس النظام الإيراني، لكنه عبّر عن قلقه العميق من أن يؤدي غياب التخطيط الاستراتيجي لدى ترامب إلى "اضطراب واسع وإراقة دماء" في المنطقة. وانتقد بولتون افتقار الرئيس الأمريكي إلى "التفكير الاستراتيجي طويل الأمد"، معتبراً أن واشنطن لم تستعد جيداً لمرحلة ما بعد إسقاط النظام. وحذّر من فوضى محتملة في مضيق هرمز، قد تؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط العالمية، ولفت إلى أن المعارضة الإيرانية، رغم انتشارها، تفتقر إلى قيادة موحدة قادرة على ملء الفراغ. وختم بولتون تحليله بالقول، إن نجاح أي تغيير للنظام يتطلب تخطيطاً دقيقاً وانشقاقات داخل الجيش الإيراني، وهو ما لم يؤمّنه ترامب الذي "يتأرجح بشكل حاد" في مواقفه، مما قد يحوّل "النصر التاريخي" إلى كابوس استراتيجي.

"ماغا" في مهب الريح

ويرى مراقبون أن قرار الحرب على إيران يمثل مخاطرة سياسية كبرى لترامب والجمهوريين، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. فالحرب، التي تناقض بشكل صارخ وعد "أمريكا أولاً" الذي حمله ترامب طوال حملته، تخاطر بتنفير القاعدة الانتخابية التي وضعته في البيت الأبيض لإنهاء الحروب، لا لبدء حروب جديدة.

ومع تسجيل أولى الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأمريكي وارتفاع أسعار الوقود محلياً نتيجة توتر الإمدادات، يحذّر استراتيجيون جمهوريون من أن أنصار شعار "ماغا" (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) قد يختارون الاحتجاب عن صناديق الاقتراع، تعبيراً عن خيبة أملهم. وهذا السيناريو قد يكون كارثيا على الجمهوريين في الدوائر التنافسية، حيث الأغلبية الضئيلة في الكونغرس معلقة على خيط رفيع.

ويؤكد محللون أن الناخب الأمريكي لا يهتم عادة بانتصارات السياسة الخارجية بقدر تأثره المباشر بـ"المستنقعات العسكرية" التي تثقل كاهله اقتصاديا، وتعيد إليه أبناءه في توابيت مغطاة بالعلم. فإذا استمرت الحرب دون نهاية واضحة، فقد تتحول "ضربة 28 فبراير" من ورقة ضغط في يد ترامب إلى صخرة تسحقه هو وحزبه في انتخابات نوفمبر الحاسمة.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع