العالم

هل يتكرر سيناريو العراق في إيران؟

الرئيس الأمريكي في مرمى سهام الصحافة.

  • 3182
  • 4:31 دقيقة
الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الصورة: ح.م.
الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الصورة: ح.م.

في تصعيد عسكري غير مسبوق ضد إيران يفتح باب الحرب المفتوحة في المنطقة، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في مرمى سهام النقد من صحافة بلاده ومسؤوليها من المعسكرين الجمهوري والديمقراطي، بعدما كشفت تقارير استخباراتية وأقوال مسؤولين أن مبررات البيت الأبيض للحرب "لا تصمد أمام التدقيق"، وسط تحذيرات متزايدة من انزلاق الولايات المتحدة إلى مغامرة جديدة في الشرق الأوسط تستند إلى "مزاعم مشكوك فيها" تشبه تلك التي سبقت غزو العراق عام 2003.

فقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا موسعا شككت فيه بشكل صريح في الادعاءات التي يستخدمها الرئيس وإدارته لتبرير العدوان العسكري على إيران، الذي شمل ضربات جوية بالتعاون مع الكيان الصهيوني، استهدفت منشآت نووية إيرانية، مع تهديدات بشن هجوم "أوسع نطاقا".

وفي مشهد يستحضر ذكريات مؤلمة في الوجدان السياسي الأمريكي، تتزايد المقارنات بين مبررات إدارة ترامب الحالية للحرب على إيران وتلك التي استخدمها الرئيس الأسبق جورج بوش الابن قبل غزو العراق عام 2003.

فكما واجه بوش آنذاك رفضا دوليا ومحليا واسعا لمزاعمه بأن بغداد تمتلك أسلحة دمار شامل، أصر على المضي قدما في الاحتلال الذي فتح باب الجحيم على العراقيين والمنطقة عموما وكلف الولايات المتحدة آلاف الأرواح وتريليونات الدولارات، وتبين لاحقا أن تلك المزاعم كانت كاذبة أو مبنية على استخبارات مضللة. واليوم، يجد ترامب نفسه في المسار ذاته، حيث تتزايد الأصوات المحذرة من تكرار سيناريو العراق، في وقت تشير تقارير استخباراتية أمريكية إلى أن الادعاءات حول "التهديد الإيراني الوشيك" مبالغ فيها أو غير مثبتة.

ووفقا للتقرير، فقد روج ترامب وكبار مساعديه لثلاثة ادعاءات رئيسية لتبرير التصعيد: أن إيران استأنفت برنامجها النووي وأنها تملك ما يكفي من المواد لصنع قنبلة خلال أيام وأنها تطور صواريخ بعيدة المدى ستكون قادرة قريبا على ضرب الولايات المتحدة.

غير أن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين ومنظمات دولية لمراقبة الأسلحة، إلى جانب تقارير صادرة عن وكالات الاستخبارات الأمريكية، رسموا صورة مغايرة تماما لحجم التهديد مقارنة بالرواية التي قدمها البيت الأبيض. وأكد مسؤولون أمريكيون اطلعت عليهم الصحيفة أنه "لا توجد أدلة على أن إيران تبذل جهودا حثيثة لاستئناف تخصيب اليورانيوم أو بناء آلية لتفجير قنبلة".

وفي تناقض لافت، أعلن ترامب في خطاب حالة الاتحاد أن الضربات "قضت بالكامل" على البرنامج النووي الإيراني، لكنه عاد ليقول إن طهران "تريد البدء من جديد وتسعى مجددا لتحقيق طموحاتها الخبيثة". غير أن مسؤولين أمريكيين مطلعين على التقييمات الاستخباراتية أكدوا أن إيران لم تنشئ مواقع نووية جديدة منذ جوان الماضي.

كما نفى مسؤولون أمريكيون ومفتشو أسلحة دوليون ما صرح به كبير مفاوضي البيت الأبيض ستيف ويتكوف لقناة "فوكس نيوز" بأن إيران "ربما على بعد أسبوع من امتلاك مواد من مستوى صناعي لصنع قنابل نووية". ووفقا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن معظم مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لا يزال مدفونا في موقع أصفهان، ولا توجد مؤشرات على استخراجه. وحتى في حال استعادته، سيستغرق تحويله إلى رأس حربي عدة شهور وربما أكثر من عام.

وأقر وزير الخارجية ماركو روبيو الأربعاء الماضي بعدم وجود دليل على أن إيران تخصب الوقود النووي حاليا، في تناقض صريح مع التصريحات الرسمية الأخرى.

وفي ملف الصواريخ، قال ترامب إن إيران "تعمل على بناء صواريخ ستصل قريبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية"، بينما قال روبيو إن ذلك سيحدث "يوما ما". غير أن ثلاثة مسؤولين أمريكيين مطلعين على معلومات استخباراتية حديثة أكدوا للصحيفة أن ترامب بالغ في تقدير حجم التهديد.

وخلص تقرير لوكالة استخبارات الدفاع العام الماضي إلى أن إيران لا تمتلك صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة وأن تطوير ما يصل إلى 60 صاروخا عابرا للقارات قد يستغرق عقدا كاملا. وعندما سئل روبيو عن التقرير، امتنع عن التعليق.

في تطور لافت، لم تقتصر الانتقادات على الديمقراطيين فقط، بل امتدت إلى جمهوريين في الكونغرس، ما يعكس قلقا متزايدا داخل الحزب الحاكم من مغبة التورط في حرب جديدة دون مبررات واضحة.

فقد شكك السناتور الجمهوري عن أوكلاهوما ماركواين مولين في تصريحات ويتكوف، قائلا: "لم أطلع على التقارير التي استند إليها. لا أقول إنه مخطئ أو مصيب، أنا فقط لم أطلع على تلك التقارير". هذا الاعتراف من عضو بارز في الحزب الجمهوري بأنه لم ير الأدلة التي تستند إليها الإدارة يعكس فجوة في التواصل بين البيت الأبيض وحلفائه في الكونغرس ويطرح تساؤلات حول مدى جدية التقييمات الاستخباراتية المقدمة.

أما كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، النائب جيم هايمز، فقد عبر عن قلقه بعد اجتماع مغلق مع وزير الخارجية، قائلا: "أنا قلق للغاية. الحروب في الشرق الأوسط لا تصب في مصلحة الرؤساء ولا في مصلحة البلاد، ولم نسمع أي مبرر مقنع لشن حرب أخرى الآن". تصريح هايمز يعكس موقف الديمقراطيين الموحد تقريبا في معارضة التصعيد، لكن الأهم أنه يشير إلى أن الإدارة فشلت حتى في إقناع المعارضة البرلمانية بوجود تهديد حقيقي يستدعي الحرب.

وفي افتتاحية لاذعة أخرى، وصفت "نيويورك تايمز" الهجمات التي أمر بها ترامب بأنها "متهورة" وتفتقر إلى الحد الأدنى من الاستراتيجية الواضحة أو المسوغات القانونية. وانتقدت الصحيفة إعلان ترامب بدء القصف عبر مقطع فيديو في منتصف الليل بدلا من القنوات الرسمية، معتبرة أن عرض قضية بهذا الحجم بهذه الطريقة "غير مقبول".

وشبهت الصحيفة أجواء الخطاب الأخير لترامب بما جرى عام 2003، حين استخدم الرئيس الأسبق جورج بوش الابن المنبر ذاته لتبرير غزو العراق بادعاءات ثبت لاحقا عدم صحتها، بينها مزاعم سعي بغداد للحصول على اليورانيوم من إفريقيا. وأعربت الافتتاحية عن "قلق صادم" من غموض أهداف ترامب التي تذكر بمغامرات تغيير الأنظمة الفاشلة في العراق وأفغانستان.

وفي المحصلة، تتركز الانتقادات المتنامية لترامب حول خمسة عوامل رئيسية: نقضه الوعد الانتخابي بإنهاء الحروب ومخاوف تكرار سيناريو "أكذوبة أسلحة العراق"، مع ظهور مؤشرات على تلفيق استخباراتي مماثل، وتجاوزه سلطة الكونغرس في إعلان الحرب وتناقض تصريحات إدارته التي قوضت مصداقيتها وخشية الجمهوريين أنفسهم من الانجرار إلى حرب استنزاف إقليمية.

وفي ظل تحذيرات من قدرة إيران على ضرب القوات الأمريكية، تتزايد الدعوات لتقييد سلطات الرئيس، خاصة في ظل انتهاكات صارخة للقانون الدولي وتناقضات واضحة في الرواية الرسمية للحرب.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع