العالم

التبرير المغربي لا يقنع مدريد

ألباريس يحسم موقف إسبانيا من سبتة ومليلية.

  • 2060
  • 2:16 دقيقة
الصورة: وكالات
الصورة: وكالات

في العلن، يرفع المغرب سقف خطابه بشأن سبتة ومليلية، ويتحدث مسؤولوه عن أراضٍ وحقوق تاريخية مزعومة، وعن سياسة النفس الطويل. لكن خلف أبواب الدبلوماسية، تبدو الصورة مختلفة تماماً.

ما كشفه وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، بشأن اتصاله بنظيره المغربي، ناصر بوريطة، يرسم مشهداً سياسياً بالغ الدلالة. فعندما واجهت مدريد الرباط بتصريحات وزيري العدل والأوقاف المغربيين حول سبتة ومليلية، لم يقدّم بوريطة موقفاً حكومياً صلباً لا رجعة فيه، بل أوضح أن التصريحات جاءت في سياق انتخابي، في إشارة إلى الانتخابات المقررة في 23 سبتمبر، وأن أصحابها تحدثوا باعتبارهم ممثلين لأحزابهم، وليس باعتبارهم أعضاء في الحكومة، مؤكداً أنها لا تمثل الموقف الرسمي للمغرب.

غير أن الرد الإسباني جاء قاسياً ومباشراً: "هذا التفسير لا يكفيني".. وهنا تبرز المفارقة التي تكشف ارتباك الخطاب المغربي. فبينما تُرفع في الداخل شعارات استرجاع سبتة ومليلية، يجد وزير الخارجية المغربي نفسه مضطراً إلى شرح وتبرير تصريحات مسؤولين مغربيين أمام نظيره الإسباني، والبحث عن مخرج لها باعتبارها مجرد مواقف انتخابية.

ألباريس لم يترك مجالاً واسعاً للمناورة، إذ أكد أن هذه التصريحات، بصرف النظر عن سياقها الانتخابي، غير مقبولة وتضر بالعلاقات الإسبانية المغربية، مشدداً على أن مدريد لن تقبل أي تشكيك في سيادتها على سبتة ومليلية، وأنها لا تتفاوض مع الرباط بشأن وضع المدينتين.

وهكذا، يبرز التناقض بين خطاب مرتفع في الداخل وتبرير دبلوماسي في الخارج. فإذا كانت تصريحات وهبي والتوفيق لا تمثل الحكومة المغربية، فلماذا صدرت أصلاً عن وزيرين مغربيين؟ وإذا كانت مجرد مواقف انتخابية، فلماذا اضطرت الرباط إلى شرح سياقها لمدريد؟ والأهم، لماذا وجدت الحكومة المغربية نفسها في موقع الدفاع والتوضيح أمام حكومة إسبانية أعلنت بوضوح أن سيادة سبتة ومليلية ليست موضوعاً للتفاوض؟

أما الأكثر إثارة للجدل، فهو أن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق غير متحزب ولا يشارك في الحملة الانتخابية، وهو ما يطرح علامات استفهام إضافية حول التبرير المتعلق بالسياق الانتخابي.

ولم تتوقف الأزمة عند حدود التصريحات، إذ استدعت إسبانيا السفيرة المغربية في مدريد احتجاجاً عليها، قبل أن يكشف ألباريس مضمون اتصاله ببوريطة.

وبذلك، تحولت الشعارات التي أطلقها مسؤولون مغاربة إلى أزمة دبلوماسية حقيقية مع مدريد. إنها ليست مجرد زلة لسان انتخابية، كما يحاول التبرير المغربي تقديمها، بل تكشف الفجوة بين الخطاب الشعبوي الموجه إلى الداخل، وبين الحسابات الواقعية التي تفرض نفسها عندما تصل القضية إلى طاولة الدبلوماسية. بل إن ألباريس ذهب أبعد من ذلك هذه المرة، بمنع المغرب من الحديث عن سبتة ومليلية علانية، وهي سابقة.

وبين خطاب الرباط وموقف مدريد، يبقى السؤال الذي لا يستطيع أي تبرير انتخابي إخفاءه: هل كان المغرب يتحدث بجدية عندما أعلن مسؤولوه التمسك باسترجاع سبتة ومليلية، أم أن الأمر لم يتجاوز حسابات انتخابية سرعان ما اضطر بوريطة إلى التنصل من تبعاتها أمام مدريد؟

في كل الأحوال، خرجت الحقيقة من الغرف المغلقة: حين ارتفع صوت الخطاب المغربي، جاءت مدريد لتضعه أمام امتحان الدبلوماسية، فكان جواب الرباط: إنها مجرد انتخابات. وكان جواب ألباريس: "هذا التفسير لا يكفيني".. وهذه وحدها كافية لتلخيص حجم المأزق.