الوطن

بندقية غويتا تفشل في فرض الحل في مالي

مقتل وزير الدفاع وانسحاب الفيلق الإفريقي باتفاق مع الأزواد يكشفان تضعضع حكم غويتا.

  • 1364
  • 2:34 دقيقة
ح.م
ح.م

كشفت التطورات الأخيرة التي شهدتها مالي، حقيقة الوضع القائم في البلاد بعد نحو خمس سنوات من وصول عاصمي غويتا إلى الحكم عبر انقلاب عسكري. فخلافًا للشعارات التي أطلقها والوعود التي قطعها المجلس العسكري للشعب المالي، أكدت الهجمات المسلحة التي طالت شمال البلاد والعاصمة باماكو، بما لا يدع مجالًا للشك، أنها لم تكن مجرد انتكاسة أمنية ظرفية، بل تعبيرًا عن انهيار وفشل ذريع لمسار فضل أصحابه التمسك بالخيار العسكري على حساب الحل السياسي الذي أثبت نجاعته سابقا.

فالأوضاع في شمال البلاد، ولا سيما في كيدال التي سقطت في أيدي حركة تحرير أزواد عقب معارك ضارية مع قوات الجيش والفيلق الإفريقي الروسي، وانتهت بخروج هذه القوات من المدينة الإستراتيجية، بالتوازي مع الهجمات غير المسبوقة التي استهدفت العاصمة باماكو من طرف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة، والتي طالت مواقع عسكرية حساسة وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع وعدد من القيادات من الصف الأول، تختزل مشهدًا مضطربًا في بلد يرزح تحت وطأة أزمات مركبة: أمنية واقتصادية وسياسية واجتماعية.

هذه التطورات عرت هشاشة نظام الجنرال عاصمي غويتا، الذي يحكم البلاد بقبضة أمنية منذ نحو خمس سنوات، في مسار مناقض لتطلعات الشعب المالي الذي خرج سابقا ضد نظام إبراهيم أبو بكر كيتا. وقد فشل هذا النظام في فرض مقاربته لحل المشكلات السياسية مع المكوّن الأزوادي في شمال البلاد، مفضلا منطق القوة العسكرية الصلبة بعد تخليه عن اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة الذي كان قد قطع أشواطًا معتبرة نحو الحل رغم العراقيل التي وضعتها أطراف خارجية لإفشاله.

وتجلت هشاشة النظام أيضًا في قدرة التنظيمات الإرهابية على تنفيذ هجمات في قلب العاصمة واستهداف مواقع شديدة الحساسية، وهو ما يعكس اختراقًا أمنيا خطيرا وحدود المنظومة الأمنية للمجلس العسكري، الذي عجز حتى عن حماية وزير دفاعه، فضلًا عن إصابة قيادات بارزة، على غرار الجنرال موديبو كوني، رئيس جهاز أمن الدولة، والجنرال عمر ديارا، رئيس أركان الجيش. كما لا يمكن إغفال انسحاب قوات الفيلق الإفريقي من معسكر "المينوسما" في كيدال بعد اتفاق مع قوات جبهة تحرير أزواد، وهو ما يكشف حجم الفشل على مختلف المستويات، سواء بالنسبة للمجلس العسكري أو للقوات التي استعان بها لفرض الأمن والاستقرار، إذ لم تستطع هذه القوات حتى تأمين نفسها.

ويكاد المشهد الحالي في مالي يتطابق مع ما شهدته البلاد عام 2012، حين سقط شمالها في أيدي الجماعات المسلحة، وأعلنت جبهة تحرير أزواد استقلال الإقليم. وهنا يجب التذكير أن الجزائر كانت أول دولة رفضت تلك الخطوة، وأعلنت موقفها حتى قبل السلطات في باماكو. وبعد فشل المقاربة العسكرية آنذاك، لجأت السلطات المالية إلى الجزائر لطلب المساعدة، حيث قادت جهود وساطة استمرت ثلاث سنوات بدعم دولي وأسفرت عن توقيع اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة، الذي فتح آفاقًا لحل الأزمة بين باماكو والمكون الأزوادي.

غير أن وصول غويتا إلى السلطة الذي علّق عليه الماليون آمالا عريضة، سرعان ما انتهى بالانقلاب على تلك التفاهمات وإنهاء العمل باتفاق الجزائر واعتماد مقاربة عسكرية أثبتت فشلها سابقًا. وبعد خمس سنوات من السير عكس التيار، يعيد غويتا مالي إلى مربع الأزمة الأول، ولكن في ظروف أكثر تعقيدا تجعل من حلحلة الأزمة اليوم مهمة أشد صعوبة.

واليوم، تواجه مالي تحديات كبيرة تتجاوز تداعياتها حدودها الجغرافية لتطال كامل المنطقة. وعليه، فإن الحلول المستوردة التي جرّبها غويتا وأثبتت فشلها تجعل من العودة إلى المسارات السلمية والسياسية، عبر فاعلين محليين، الطريق الأنجع لمعالجة الأزمات التي ورّط المجلس العسكري البلاد فيها.