تقاس قوة القادة بقدرتهم على البقاء في السلطة، أو بمدى إحكامهم السيطرة على مفاصل الحكم. غير أن تجربة الرئيس الأسبق اليامين زروال تكسر هذه القاعدة، وتطرح طرازا مختلفا لقائد صنع لحظة استثنائية في تاريخ الجزائر، ليس فقط بما أنجزه وهو في الحكم، بل أيضا، وربما أساسا، بكيفية خروجه منه.
منذ ظهوره في واجهة الأحداث في منتصف التسعينيات، لم يكن زروال رئيسا تقليديا. فقد جاء في سياق انهيار شبه شامل لمقومات الدولة: حرب أهلية مفتوحة، أزمة شرعية خانقة، وتفكك في العلاقة بين السلطة والمجتمع. في مثل هذا السياق، لم يكن المطلوب "بناء دولة" بقدر ما كان "منع سقوطها"، وهو ما يفسر طبيعة الدور الذي اضطلع به. لقد كان رئيسا في زمن الطوارئ السياسية، حيث تصبح القرارات أقل ارتباطا بالرؤية طويلة المدى وأكثر التصاقا بضرورات اللحظة.
ينتمي زروال إلى جيل الثورة، ما منحه شرعية تاريخية داخل مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسة العسكرية. غير أن هذه الشرعية لم تكن وحدها المحدد لشخصيته السياسية، إذ تميز أيضا بتكوين عسكري صارم انعكس على نمط قيادته: هدوء في اتخاذ القرار، تجنب للاستعراض، وأولوية واضحة لمنطق الاستقرار على حساب التجاذبات السياسية. هذه الخصائص صنعت ما يمكن تسميته بـ"القائد المتحفظ" في بيئة سياسية تميل بطبيعتها إلى الصخب والصراع.
كما أن مساره قبل الرئاسة يكشف عن نزعة استقلالية لافتة، تجلت في استقالته أواخر ثمانينيات القرن الماضي وابتعاده عن دوائر القرار في وقت مبكر، قبل أن يستدعى مجددا في لحظة أزمة حادة. هذا المسار عزز صورته كشخص لا يسعى إلى السلطة بقدر ما يستدعى إليها، وهو عنصر نادر في الأنظمة السياسية التي تقوم غالبا على التنافس المحموم للوصول إلى الحكم.
وعندما تولى رئاسة الدولة، لم يكن ذلك نتيجة مسار انتخابي تقليدي، بل جاء كحل توافقي داخل نظام يعيش حالة ارتباك عميقة. ومع انتخابه رئيسا للجمهورية سنة 1995، حاول إعادة إدخال عنصر الشرعية الانتخابية كمدخل لإعادة بناء الثقة، ومنح النظام مخرجا من أزمة "الشرعية المفقودة". لقد كانت الانتخابات، في هذا السياق، أكثر من مجرد استحقاق دستوري، كانت محاولة لإعادة ربط الدولة بالمجتمع، ولو بشكل جزئي.
غير أن هذا المسار لم يكن كافيا لتجاوز كل التحديات، إذ ظل العنف قائما، وبقي القرار موزعا بين عدة مراكز نفوذ. وهنا تبرز إحدى أهم سمات تجربة زروال: العمل داخل نظام لا يحتكر فيه الرئيس كل السلطة. فقد كان عليه أن يوازن بين متطلبات الأمن وضغوط السياسة، وبين ضرورة الحسم ومخاطر الانزلاق نحو مزيد من التعقيد.
اعتمد زروال خلال فترة حكمه ما يمكن وصفه بـ"الاستراتيجية المزدوجة": استمرار المقاربة الأمنية من جهة، وفتح قنوات سياسية محدودة من جهة أخرى. وقد تجسد ذلك في محاولات الحوار مع بعض الأطراف، مقابل الإبقاء على خيار الدولة في مواجهة العنف المسلح. لم تكن هذه الاستراتيجية تهدف إلى حل جذري للأزمة، بقدر ما كانت تسعى إلى إدارتها ومنع تفاقمها، وهو ما يعكس إدراكا عميقا بحدود السلطة في سياق معقد، حيث لا يمتلك الرئيس بالضرورة كل مفاتيح القرار.
في موازاة ذلك، سعى زروال إلى إعادة هندسة الإطار المؤسسي للدولة، من خلال دستور 1996، الذي عزز من صلاحيات السلطة التنفيذية وأعاد تنظيم المشهد الحزبي. ورغم أن هذه الإصلاحات لم تنه حالة التوتر بشكل كامل، فإنها أسست لقدر من الاستقرار المؤسساتي ومهدت لمرحلة انتقالية أقل اضطرابا.
لكن اللحظة الأكثر دلالة في تجربة زروال لم تكن في قراراته أثناء الحكم، بل في قراره مغادرة السلطة سنة 1998، عبر تقليص عهدته والدعوة إلى انتخابات مسبقة. في سياق عربي اعتاد على التمديد والتمسك بالحكم، بدا هذا القرار استثناء لافتا، بل أقرب إلى كسر قاعدة غير مكتوبة في الممارسة السياسية.
وقد تعددت تفسيرات هذا القرار، فهناك من يربطه بصراعات داخل مراكز القرار حدت من هامش المناورة لدى الرئيس، وهناك من يراه خيارا استراتيجيا لتفادي انزلاق النظام نحو مواجهة داخلية أكثر حدة. كما لا يمكن إغفال البعد الشخصي، المرتبط بطبيعة زروال نفسه، الذي لم يعرف عنه التمسك بالمناصب ولا الميل إلى البقاء في الواجهة.
مهما تكن الدوافع، فإن أثر هذا القرار كان عميقا، فقد عزز صورة زروال كقائد يتمتع برأسمال أخلاقي نادر، وكرس ما يمكن تسميته بـ"شرعية الانسحاب". فخلافا للنموذج السائد، لم تبن شرعيته فقط على ما فعله، بل أيضا على ما لم يفعله: لم يتمسك بالحكم، لم يسع إلى التمديد ولم ينخرط في ممارسات سلطوية مفرطة.
هذه الفكرة تقود إلى طرح أوسع: هل يمكن أن يكون الانسحاب، في حد ذاته، فعلا سياسيا؟ في حالة زروال، يبدو أن الجواب هو نعم. فالانسحاب لم يكن تعبيرا عن ضعف، بل عن وعي بحدود المرحلة وإدراك بأن استمرار الشخص قد يهدد استمرارية الدولة نفسها. وهنا يتحول الخروج من السلطة إلى أداة لإعادة ضبط التوازنات، بدل أن يكون نتيجة لها فقط.
تطرح تجربة زروال أيضا إعادة تعريف لمفهوم النجاح السياسي. فإذا كان النجاح في الأدبيات التقليدية يعني البقاء في السلطة، فإن نجاح زروال تجسد في مغادرتها دون أن تنهار الدولة. وهو تعريف مغاير، يربط بين المسؤولية السياسية والقدرة على قراءة اللحظة التاريخية بدل اختزالها في منطق الاستمرار.
كما تبرز في هذه التجربة مفارقة لافتة: محدودية السلطة قد تعزز المصداقية. فزروال لم يكن المتحكم الوحيد في القرار، لكنه كان، في نظر كثيرين، الأكثر نزاهة وتوازنا. وهذه المفارقة تعكس أن الشرعية لا تبنى فقط على القوة، بل أيضا على الثقة وعلى الصورة التي يتركها القائد في الوعي الجماعي.
كما لا تكمن أهمية تجربة اليامين زروال في السياسات التي انتهجها فقط، وإنما في النموذج الذي قدمه، نموذج رئيس لم يسع إلى بناء مشروع دائم بقدر ما عمل على إدارة مرحلة خطرة وحماية الدولة من الانهيار، وهو ما يجعله أقرب إلى "رئيس مرحلة" أو "رئيس وظيفة تاريخية"، أكثر منه صاحب رؤية سياسية طويلة المدى.
لقد كان زروال رئيسا في زمن استثنائي، حيث كانت الأولوية لإنقاذ الدولة لا لتشييد نموذجها النهائي. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن محدودية سلطته الفعلية لم تكن نقطة ضعف بقدر ما كانت أحد مصادر مصداقيته.. إذ كلما تراجع حضوره كصاحب قرار مطلق، ارتفعت صورته كرمز للنزاهة والتوازن.
أخيرا وليس آخر، تظل تجربة زروال مفتوحة على أكثر من قراءة، لكنها تتقاطع عند فكرة أساسية وهي أن السلطة ليست غاية في حد ذاتها، وأن القدرة على مغادرتها في الوقت المناسب قد تكون، في بعض الأحيان، أرقى أشكال ممارستها.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال