الوطن

"قانون تجريم الاستعمار تجسيد لسيادة  الجزائر"

رئيس اللجنة الوطنية للتاريخ والذاكرة، محمد لحسن زغيدي، في حوار مع "الخبر".

  • 1219
  • 6:30 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

حاوره: أحمد حمداني

في هذا الحوار الحصري مع "الخبر"، يقدم رئيس اللجنة الوطنية للتاريخ والذاكرة، محمد لحسن زغيدي، قراءة لأبعاد قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، وخلفياته التاريخية وانعكاساته السياسية والقانونية، داخلياً ودولياً وتأثيراته على عمل اللجنة المشتركة الجزائرية الفرنسية للذاكرة والتاريخ، فيما يلي نص الحوار كاملا:

هل يمكن أن تشرح لنا أهمية وسياق تمرير قانون تجريم الاستعمار؟

قانون تجريم الاستعمار يعتبر خطوة مهمة في التعبير عن السيادة الكاملة للدولة. من جهة، ومن جهة أخرى، يعتبر تجسيداً لمطلب نادى به كل قادة المقاومات، من الأمير عبد القادر إلى قادة الحركة الوطنية عبر نصوصها، إلى نصوص الثورة التحريرية، من بيان أول نوفمبر إلى وثيقة الصمام، إلى بيان طرابلس أو مؤتمر طرابلس.

كل هذه المرجعيات التاريخية كانت تتفق كلها وتجتمع حول محاكمة الاستعمار، انطلاقا من أفعاله وأعماله المرتكبة وبسبب سياسته المنتهجة، ومنها التصفية والإبادة الجماعية والتقتيل بكل أشكاله، من الحرق بالنار إلى الغازات السامة، إلى القنابل، إلى الألغام، إلى الرمي من الطائرات، وإلى الرمي في الأنهار، حيث طالت يده الإجرامية كل المناطق التي يوجد بها الجزائري داخل الجزائر وحتى خارجها.

هل يغطي القانون كل الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي؟

نعم، حصر القانون ثلاثين جريمة كانت تتكرر يومياً طيلة مدة الاستعمار. ومن حق الجزائر المنتصرة، والتي حققت انتصارها بانتزاع استقلالها واسترجاع سيادتها، إعلان هذا القانون في البرلمان، وهو اليوم الذي يحمل دلالات عميقة في مفهوم الانتصار.

كذلك، من حق الجزائر المنتصرة، والتي يبنيها جيل الاستقلال، الوريث لجيل نوفمبر المجيد على أساس بيان أول نوفمبر، إعلان هذا القانون من قبة البرلمان.

وهذا له رمزية ودلالات، كذلك جاء في سياق الصحوة الإفريقية التي أدانت الاستعمار في بيان الجزائر الصادر في نوفمبر الفائت.

وهل هو رد فعل سياسي أم تتويج لمسار وطني وتاريخي؟

النص جاء في وقت مناسب وكرد من الجزائريين بعد عشرين عاما على صدور قانون تمجيد الاستعمار في برلمان باريس التي لم تراع مشاعر الشعوب التي تعرضت للإبادة وبلدانها التي تعرضت للنهب، ويجب التنويه بأن القانون من حق الجزائر ولا يؤثر على العلاقات مع فرنسا، لأنه يحاكم ويدين إرث فرنسا الاستعماري وليس الشعب الفرنسي.

ويجب التوضيح بأن القانون يجرم الماضي الفرنسي ويأتي انسجاما مع بيان نوفمبر ومواثيق الثورة كانت صريحة بأنها ليست ضد الشعب الفرنسي، وإنما ضد الاستعمار البغيض الأعمى المجرم.

ما تبعات الجرائم الكبرى التي وردت في القانون؟ وهل ستكون موضوع نزاع دولي مع الطرف المُجرَم؟

وفي ذكر قائمة الجرائم الكبرى المرتكبة، هناك تبعات عن بعض الجرائم. أولاً، هذه الجرائم التي ارتكبت تركت آثاراً، وهذه الآثار لها مخلفات ما زالت الجزائر تواجهها إلى الآن، ولذلك لا مناص من التمسك بمبدأ التاءات الثلاث، وهي: الاعتراف والاعتذار والتعويض.

وإجابة على الشق الثاني من سؤالك، أقول من حق الشعوب أن تجهر بجراحها للعدالة الإنسانية، فهي لا تسقط بالتقادم. ولذلك تقع على فرنسا الحالية مسؤولية التبرؤ من ماضيها الاستعماري وتطبيق التاءات الثلاث وإرجاع الحقوق المسلوبة بكل ما تحمله من ملفات الأرشيف، وما يتعلق بالتراث المادي والمعنوي، وكل ما تم نهبه من فوق أرض الجزائر.

ما رأيك في رد الفعل الفرنسي الذي اعتبر أن القانون "عمل عدائي"؟

الوضع الذي أصبح عليه الجزائري في جميع المجالات، لم يعد يعير اهتماما للثقافات البالية التي ما زالت بعض الشعوب أسيرة لها، بينما العالم يتطور والعالم يسابق الزمن.

ماذا عن العقدة الفرنسية والتعالي في مسألة الذاكرة؟

السلوك الرسمي الفرنسي الموصوف بالمتعالي مسألة تجاوزها الزمن، أظن أن العالم الذي نعيشه اليوم لم تبقَ دول تتعالى على الأخرى، لأن مفهوم الاستقلال والتحرر أصبح شاملاً لكل الأبعاد التي يعيشها الإنسان. فالاستقلال الاقتصادي والتطور الصناعي والتطور العلمي والتطور في مجالات الحياة حرر الشعوب.

في الواقع الجزائر جسدت السيادة والندية، وما كان في يوم من الأيام حلما أصبح حقيقة. الجزائر اليوم أصبحت قوة، قوة واقعية في مجالات تجعل منها قوة دولية اقتصادياً، سياسياً، أمنياً، وحدة شعبية، ووحدة دبلوماسية. كل هذا جعل الجزائر اليوم، الحمد لله، تحقق ما حلم به شهداء الثورة الذين حرروا هذه الأرض.

رغم كونه وثيقة داخلية، كيف يمكن لقانون تجريم الاستعمار أن يتحول إلى آليات عملية وتكتسب أبعادًا دولية؟

هي وثيقة وطنية داخلية، لكنها حددت سياسة التعامل مع فرنسا الرسمية فيما يتعلق بملف الذاكرة ومن حيث المطالب التي وردت فيه.

هناك جرائم كبرى أوردها المشرع في النص كيف سيتم التعامل معها؟

هذا الملف يرجع إلى حسن نية وجدية السياسة الفرنسية إذا أرادت أن تسوي هذه المطالب عبر باب الصداقة والتعاون، مثل تطهير المواقع والمنهوبات وكل ما يتعلق بها. فرغم التجريم والإدانة والإصرار على استرجاع الحقوق، فلا زلنا نؤكد أن كل المشاكل يمكن حلها عبر الحوار والمفاوضات، وأيضاً فيما يتعلق بالمنهوبات. ولمعالجة هذا الملف اتخذت اللجنة المشتركة خطوات والباب مفتوح أمام الطرف الفرنسي.

وماذا عن تأثير القانون على عمل اللجنة المشتركة؟

حتى بعد تجريم الاستعمار، بالنسبة لنا لا يؤثر على عمل اللجنة، بالعكس، رئيس الطرف الفرنسي، الأستاذ ستورا، صرح بعد تصويت المجلس الشعبي الوطني، أن هذا القانون حق، وجاء في وقته، ومن حق الشعب الجزائري أن يجرّم هذا الاستعمار الذي سبق أن جرّمه الرئيس الفرنسي ماكرون في عهدته الأولى، حين صرح خلال زيارته للجزائر أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر جريمة ضد الإنسانية.

وما نؤكد عليه الآن كرئيس للجنة المشتركة، هو ضرورة الاستجابة للمطالب التي بلّغناها للطرف الفرنسي بكل تفاصيلها وفتح باب التعاون في الإطار ذاته. حتى ولو كانت هناك أصوات في الجانب الفرنسي تنكرها الجزائر، فإنني أؤكد التمسك بها.

لكن بالنظر للتحولات السياسية في فرنسا، هناك نظرة تشاؤمية لأي مسار تعاون في هذا الجانب؟

لا تنتظر من التيار الحاقد في باريس أن يصفّق لهذا القانون، خاصة لأن أصوله معروفة. وهذا القانون جاء ليحاسب أسلافهم الذين ارتكبوا هذه الجرائم فوق هذه الأرض، وبالتالي سيقومون بحملات إعلامية عبر كل الوسائل للتهجم على الجزائر وعلى القانون، وهو ما قد يعيق التعاون الذي هو مرتهن للإرادات السياسية، لأن الحملات ضد الجزائر أو ما يعرف بالجزائر فوبيا ليست وليدة اليوم أو مرتبطة بالقانون، بل قبل ذلك وستظل باقية.

فيما يخص التعاون مع شعوب أخرى عانت من الظاهرة، هل هناك آليات مشتركة أو ملفات قابلة للعرض على الهيئات الدولية إذا تعثّر مسار التعاون؟

هذا ليس مجال اختصاص اللجنة، بل يرجع إلى القرار السياسي والجهاز الدبلوماسي، لكن الجزائر من ناحية الذاكرة استطاعت أن تحيي الذاكرة الجماعية عبر القارة الإفريقية فيما يتعلق بالجانب التاريخي واستحضار ماضيها المشرق التحريري، كما عملت بقوة لحشد الوعي من أجل تجريم أوسع للأفعال التي ارتكبت على الأراضي الإفريقية، وهو ما يوحّد شعوب القارة ويستحضر ذاكرتها ويوجهها نحو المستقبل.

وإذا لم ينجح التعاون والتفاهم بالجزائر لديها كل الملفات وكل الإجراءات، وهذا يشمل القضايا النووية المعترف بها عالميا ومختلف الجرائم الكبرى التي وردت في نص القانون. الجزائر لا تتجنى.

برأيك، ما الأسباب التي جعلت البرلمان يمرّر قانون تجريم الاستعمار في هذه المرحلة تحديدًا؟

هذا القانون جاء أولاً ليعزز السيادة الجزائرية التي ظهرت بأنها صلبة في تعاملها مع مستعمر الأمس وخاصة تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، والتشريع جاء ليزيد من قوتها في اتخاذ قراراتها، إذ لا مستحيل في حفظ الذاكرة واسترجاع الحقوق التاريخية. كما جاء ليحمي التاريخ ويحفظه ويؤمّن نقله للأجيال من التحريف والتزييف، وذلك بوضع مواد عقابية لمن يتجاوز أو يمس بالحقائق.

وبالنسبة للفروقات بينه وبين قانون الشاهد والمجاهد، فإنه جاء بمواد إجرائية وعملية في قضايا العبث أو المس أو تشويه الحقائق، أو الطعن في رموز الثورة، رموز المقاومة والحركة الوطنية والثورة التحريرية.

هناك من اعتبر بعض المواد مقيّدة للنقاش حول أحداث التاريخ؟

التشريع جاء ليحصّن التاريخ ويؤمّنه للأجيال، ولا يؤثر على الحقائق الأكاديمية التي يقرها المختصون في مجالاتهم، ونحن ندعم ما جاء به من نصوص تعاقب بالحبس من خمس إلى عشر سنوات لكل مخالف. الخوض في التاريخ للمختصين فقط، أما غير المختصين فيمكن أن يستندوا إلى حقائق تاريخية دون أن يمسوا بوحدة ومشاعر الشعب وقدسية التضحيات الجسام طيلة قرن ونصف، هكذا نبقي على المصداقية للأجيال.

هل ساهمت اللجنة في إثراء النص وإعداده؟

نعم اللجنة استشيرت وقدمت إثراءً كبيراً للقانون ورئيسها نال التكريم في قبة البرلمان.

كيف تتابع اللجنة أعمالها في ظل القطيعة غير المسبوقة مع فرنسا؟

اللجنة ما زالت مستمرة، ما زالت قائمة من الجهتين، وتوصلت إلى نتائج مهمة تساعد على الاستمرارية والتوصل إلى نتائج مستقبلية في حالة عودة العمل بين الطرفين. ولم يتوقف الاتصال بيننا، خاصة ما بيني وبين البروفيسور بنجامين ستورا الذي أظهر سلاسة واحترافية كبيرة، واتصالي به شبه يومي.

ويجب التأكيد بأن بنجامين ستورا مؤرخ نزيه يصدح بالحقيقة التاريخية بكل شجاعة في وجه من يعارضونه ويسير في طريق الوصول إلى تفاهم من أجل طي هذا الملف بكل ما يحمله من أثقال، ولهذا نجد تصريحاته في اتجاه واقعي.