الوطن

أولى ملامح الخارطة السياسية الجديدة

الموالاة تحتفظ بالانتشار الوطني وعودة الأحزاب المقاطعة.

  • 1190
  • 3:41 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

بدأت ملامح الخريطة السياسية لعهدة المجلس الشعبي القادمة تتشكل تدريجيا مع نشر الحصيلة النهائية للقوائم المودعة لدى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وهي حصيلة لا تعكس بعد القوائم المقبولة نهائيا والمستوفية للشروط القانونية، لكنها تقدم مؤشرا أوليا حول مدى قدرة الأحزاب على الحضور الميداني وتغطية الدوائر الانتخابية.

وأعلنت السلطة المستقلة للانتخابات في آخر بيان لها عن الحصيلة النهائية لعدد القوائم التي أودعت ملفات التصريح الجماعي بالترشح بعد نهاية الآجال القانونية ويتعلق الأمر بـ788 ملفا منها 649 ملفا تحت رعاية 32 حزبا سياسيا وملف واحد تحت رعاية أكثر من حزب سياسي و138 ملفا بعنوان قوائم حرة داخل الوطن، أما بالنسبة للدوائر الانتخابية خارج الوطن فمجموع الملفات المودعة هو 66 ملفا منها 59 ملفا تحت رعاية 18 حزبا سياسيا وملف واحد تحت رعاية أكثر من حزب سياسي تحالف و06 ملفات بعنوان قوائم حرة.

ومن خلال جدول توزيع قوائم المترشحين المودعة حسب الأحزاب السياسية وحسب الولايات، يبدو أن التشكيلات السياسية استعادت مساحة مهمة داخل المشهد الانتخابي مقارنة بالرهان الذي كان مطروحا خلال الاستحقاقات السابقة 2021 وأدى لصعود القوائم الحرة والمجتمع المدني، حيث تمثل القوائم الحزبية الأغلبية الساحقة من الملفات المودعة، وهو ما يعكس عودة الاعتماد على الهياكل الحزبية في إدارة عملية الترشح.

وبناء على هذه المعطيات يتضح أن العهدة التشريعية القادمة لن تعرف إعادة إنتاج نفس التوازنات وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بوزن الأحرار داخل البرلمان. ففي انتخابات 2021 شكلت القوائم الحرة مفاجأة سياسية حقيقية، بحصولها على 84 مقعدا جعلها القوى الثانية ولا يمكن قراءة تراجعها اليوم من زاوية الأرقام فقط، وإنما يرتبط أيضا بتغير السياق السياسي والتنظيمي الذي تجري فيه الانتخابات الحالية.

فانتخابات 2021 جاءت في ظرف استثنائي بعد حل المجلس الشعبي الوطني وفي سياق سياسي ارتبط بمرحلة ما بعد الحراك الشعبي الذي هز مكانة الأحزاب السياسية في ذهنية المجتمع، خاصة بعد توقيف ومتابعة قيادات حزبية ومتصدري المشهد الحزبي المحلي أيضا وهو ما فتح المجال أمام صعود واسع للمستقلين باعتبارهم بديلا خارج الإطار الحزبي التقليدي.

أما اليوم في 2026 فالوضع يبدو مختلفا ويسمح بعودة تدريجية للأحزاب إلى الواجهة، مع مشاركة أوسع للقوى السياسية التي كانت غائبة أو ذات تمثيل محدود في الدورة السابقة من بينها حزب العمال الذي أودع 29 قائمة داخل الوطن كلها ليست معفية من شرط جمع استمارات الترشح الفردية بحكم عدم مشاركته في الانتخابات السابقة وعدم حصوله على العدد اللازم من المنتخبين المحليين. وفي وضع مماثل قدم لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية قدم 8 في الداخل و2 في الخارج وهو رقم يبرز حضورا أكثر تركيزا مقارنة ببقية الأحزاب العائدة، ويعكس استمرار تموقع الحزب في مناطق نفوذه التقليدية خاصة ولايات تيزي وزو، بجاية والبويرة أكثر من توجهه نحو تغطية وطنية واسعة.

أما جبهة القوى الاشتراكية فقد قدمت 22 من بينها دوائر معفية من جمع الاستمارات في الداخل و5 في الخارج، ما يعكس محاولة للعودة التدريجية إلى المشهد الانتخابي الوطني مع الحفاظ على امتدادها خارج الوطن أيضا.

وتسمح عودة هذه الأحزاب بقراءة جديدة للمشهد السياسي بعد سنوات من المقاطعة أو الغياب عن الاستحقاقات البرلمانية. غير أن هذه القراءة تبقى أولية، لأن الأرقام الحالية مرتبطة فقط بمرحلة الإيداع الإداري، في وقت لا تزال الملفات تخضع للتحقق والدراسة واستكمال الشروط القانونية، وهو ما قد يؤدي لاحقا إلى تغيير الخريطة النهائية للقوائم المعتمدة، حيث تواصل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات دراسة ملفات الراغبين في الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة، من أجل التأكد من استيفائها الوثائق اللازمة إضافة إلى التحقق من أن القوائم التي قدمتها الأحزاب السياسية أو القوائم الحرة تستوفي مختلف الشروط القانونية التي جاء بها التعديل الأخير لقانون الانتخابات.

..هكذا تعمل آلة التحقيقات 

وبالتوازي مع ذلك، تقوم الجهات الأمنية بدراسة الوضعية الخاصة بالمترشحين، التأكد من نزول أحكام المادة 200 من قانون الانتخابات عليهم، والتي تنص على أن الراغب في الترشح يجب ألا تكون له علاقة بالأوساط المشبوهة أو بالمال الفاسد. وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية.

وجميع الحالات من أبرز التحولات تبقى عودة عدد من أحزاب المعارضة للمنافسة البرلمانية، من أقوى التحولات المرتقبة وهو ما قد يمنح المجلس المقبل قدرا أكبر من التنوع السياسي والإيديولوجي مقارنة بالدورة الحالية.

ولا ترتبط هذه العودة فقط بعدد المقاعد التي قد تحققها هذه التشكيلات، بل بأثرها على طبيعة النقاش السياسي داخل البرلمان فحتى في حال كانت النتائج محدودة من حيث التمثيل العددي، فإن وجود أحزاب ذات مرجعيات وتوجهات مختلفة قد يساهم في توسيع مساحة النقاش حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات العمومية، ويعيد قدرا من التوازن بين مختلف التيارات داخل المؤسسة التشريعية.

ومع ذلك، يبقى من المبكر تقديم صورة نهائية للمشهد السياسي المقبل، لأن عددا من المؤشرات الحاسمة لم تتضح بعد، وفي مقدمتها القوائم المعتمدة نهائيا التي تحدد يوم 6 جوان المقبل، ونوعية المترشحين، مستوى التعبئة الانتخابية، نسبة المشاركة، وهي عوامل سيكون لها تأثير مباشر على توزيع المقاعد.