الوطن

التصويت على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي غدا

بعد عرضه على اللجنة متساوية الأعضاء.

  • 1068
  • 3:06 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

أدرجت اللجنة البرلمانية متساوية الأعضاء، في تقريرها النهائي، تعديلات عميقة وجوهرية على مشروع قانون تجريم الاستعمار المقرر التصويت عليه يوم غد الاثنين، شملت إلغاء أحكام رئيسية وتعديل سبع مواد أخرى.

ووفق ما ورد في التقرير، تم إلغاء المادة الأولى التي كانت تحمل طابعًا إنشائيا، والمادة 10 المتعلقة بـ"التعويض"، بهدف إخراج ملف الذاكرة من دائرة المطالب المالية، من منطق أن دماء الشهداء ليس لها ثمن، كما أُلغيت المادة 20 الخاصة بحماية الرموز الوطنية والذاكرة، باعتبار أن هذه الحماية مضمونة ضمن قانون المجاهد والشهيد، بالإضافة إلى المادة 25 المتعلقة بالأملاك العقارية والتأميم.

وعلى صعيد الاعتراف، تم حذف مطلب الاعتذار من المادة 9 والاكتفاء بـ"الاعتراف الرسمي" من دولة فرنسا بجرائمها، ما يعزز الموقف الرسمي للجزائر في هذا الملف التاريخي.

وشملت التعديلات أيضًا تبسيط وصف الخيانة في المادة 7 عبر حذف عبارة "العظمى"، بينما تم دمج المادتين 16 و21 لتوحيد عقوبة "تمجيد الاستعمار" لتصبح عقوبة سجن تصل إلى خمس سنوات، مع تشديد العقوبة في المادة 17 لتصل إلى عشر سنوات لكل من يروج للفكر الاستعماري في الأنشطة الأكاديمية أو الإعلامية.

وفي خطوة رمزية تم تعديل البند 28 من قائمة الجرائم والممارسات الاستعمارية في المادة 5، مع الحفاظ على بند "الاغتصاب والاستعباد الجنسي" كجريمة استعمارية ثابتة، بعد تمسك النواب في اجتماع اللجنة بالإبقاء على هذا التوصيف. ويعتبر إدراج الاستعباد الجنسي، المصنف ضمن الجرائم ضد الإنسانية وفق اتفاقية روما، خطوة غير مسبوقة في التشريع الجزائري، بعدما ظل هذا الفعل ضمن الأفعال المسكوت عنها، باستثناء بعض الأعمال الأدبية والإعلامية.

وأشار النواب إلى أن حذف هذا البند كان سيشكل تنازلا عن توثيق أبشع الانتهاكات التي تعرضت لها الجزائريات، في فترة الاستعمار. كما أدرجت اللجنة تعديلا على المادة 26 الذي أشرك المجتمع المدني رسميًا في حفظ الذاكرة، إلى جانب تعديل المادة 15 الذي كفل كرامة المقاومين والمجاهدين.

تكريس "الموقف السيادي للدولة الجزائرية في ملف الذاكرة"

أشارت اللجنة في تقديم تقريرها إلى الروح العالية من المسؤولية والالتزام الأخلاقي الرفيع الذي طبع أشغالها، وأوضحت أن الأعضاء أجروا نقاشا صادقا ومستفيضا للإحاطة الشاملة بمختلف الأبعاد التاريخية والقانونية. كما حرصت اللجنة في آلية عملها على تجويد نصوص القانون والارتقاء بصياغته ومضمونه، بما يضمن انسجام أحكامه ودقة بنائه القانوني. وقد سادت هذه الجلسات أجواء تعاون وتفاعل طغت فيها المصلحة العليا للذاكرة الوطنية على أي اعتبارات ظرفية أو شخصية. ودافع التقرير عن العمل المنجز في وجه الانتقادات التي تعرضت لها اللجنة بعد التحفظ على مطلبي الاعتذار والتعويض، حيث أوضحت اللجنة أنها أولت عناية خاصة بالأحكام محل الخلاف بما يتواءم ومسعى تكريس الموقف السيادي للدولة الجزائرية في ملف الذاكرة. وأكدت اللجنة أن هذا التشريع يجسد انتقال مطلب الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية من نطاق الالتزام الأخلاقي أو الرمزي إلى إطار قانوني ومؤسساتي واضح، كما يرمي إلى تثبيت الحقائق التاريخية وصون كرامة الشهداء. واستند الأعضاء في ذلك إلى مبادئ الحق والعدالة التاريخية كركيزة ثابتة للهوية الوطنية ومرجعية مؤطرة للتعاطي مع هذا الملف، مع الحرص على تأطير المسؤوليات التاريخية والقانونية بما يعكس جسامة الانتهاكات المرتكبة إبان الحقبة الاستعمارية.

وقال إن هذا المسعى ينسجم مع الموقف الرسمي الثابت للدولة كما أكده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في خطابه لسنتي 2024 و2025، بأن مطالبة الجزائر لفرنسا بالاعتراف بجرائمها تندرج في إطار موقف سيادي مبدئي لا يقوم على تعويضات أو اعتذار، بل على إقرار الحقيقة وتحمّل المسؤولية الأخلاقية. وأكد التقرير حرص اللجنة على إرساء مقاربة تشريعية عادلة ومنصفة تصون كرامة الشعب الجزائري وتحفظ ذاكرته الجماعية من كل محاولات الطمس أو التشويه أو التحريف أو التزييف، وتجسد وفاء الدولة لتضحيات شهدائها الأبرار ومجاهديها الأخيار وسائر ضحايا المقاومة الشعبية والحركة الوطنية من أجل الانعتاق من نير الاستدمار الغاشم.

وأوضحت اللجنة أن أعضاءها لم يتناسوا ما خلّفته الحقبة الاستعمارية من مآس إنسانية وجرائم إبادة وسياسات القمع والتنكيل والتهجير القسري وطمس الهوية، وما ترتب عنها من اختلالات عميقة ما تزال تداعياتها ماثلة إلى اليوم. وقد استوجب هذا الواقع صياغة مقاربة تشريعية رصينة تؤطر الذاكرة الوطنية ضمن رؤية قائمة على الإنصاف وترسيخ العدالة التاريخية، بما يصون كرامة الأمة ويثبت حقوقها غير القابلة للتصرف أو السقوط بالتقادم.