الوطن

مجلس الأمة يرد على المدعي العام الفرنسي

"انحدار في مستنقع التصريحات وردة متقدمة في العلاقات بين البلدين"

  • 832
  • 2:54 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

عادت العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال الأيام الأخيرة إلى مربع التوتر، بل دخلت منعرجا جديدا من التصعيد الحاد، عقب تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا، مسّت بشكل مباشر الدولة الجزائرية.

قوبلت هذه التصريحات، أمس، برفض رسمي قوي من الجزائر، ممثلة في مجلس الأمة الذي اعتبرها "ردة متقدمة في العلاقات بين البلدين".

بدأت الأزمة عقب مقابلة إعلامية للمدعي العام الفرنسي لمكافحة الإرهاب، أوليفييه كريستين، أجراها مع وسائل إعلام فرنسية قبل أيام. زعم المسؤول القضائي الفرنسي في تصريحاته وجود تحقيقات جارية بفرنسا تتعلق بما سماه "إرهاب الدولة"، مقحما اسم الجزائر بشكل مباشر ضمن قائمة دول اتهمها باستهداف معارضين سياسيين على الأراضي الفرنسية.

ووصف المدعي العام هذه العمليات المزعومة بأنها "تهديد للأمن القومي الفرنسي"، مشيرا إلى أن القضاء الفرنسي لن يتساهل مع أي "تحركات استخباراتية أجنبية" تهدف إلى تصفية حسابات سياسية فوق ترابه.

مجلس الأمة: هذا انحدار جديد

لم يتأخر الرد الجزائري طويلا، حيث استغل مكتب مجلس الأمة الموسع، برئاسة عزوز ناصري، اجتماعه المنعقد أمس لإصدار بيان شديد اللهجة.

وجاء في البيان أن الغرفة العليا للبرلمان تعبر عن "استهجانها الشديد للانحراف اللامسؤول وغير المقبول للمدعي العام لمكافحة الإرهاب لفرنسا الرسمية".

واعتبر مجلس الأمة أن هذه التصريحات تمثل "انحدارا في مستنقع التصريحات المتخبطة ووصفها بأنها اندفاع لا يليق بمقام مسؤول قضائي".

ووصف بيان المجلس خرجة المسؤول القضائي الفرنسي بـ"الانحدار الجديد في مستنقع التصريحات المتخبطة واندفاع لا يليق وردة متقدمة في العلاقات بين البلدين، ممن يُنصبون أوصياء على مصير الشعب الفرنسي ويطلقون تصريحات معطاة لأهوائهم، تعكس احتضارا في خطاب بعض المسؤولين الفرنسيين وخوفا مرضيا من الجزائر".

ويرى مراقبون أن توقيت هذه التصريحات الفرنسية ليس عفويا، بل يأتي في وقت تستعد الجزائر لزيارة تاريخية لبابا الفاتيكان وقبيل مواعيد انتخابية تشريعية، بالإضافة إلى دورها الإقليمي كقوة استقرار في منطقة الساحل وطوق نجاه متوسطية في الجانب الطاقوي والأمني.

كما ترى الكثير من التحاليل في هذه الاتهامات "محاولة لتغطية الفشل الفرنسي في إفريقيا"، من خلال استهداف الجزائر وتشويه سمعتها الدولية عبر بوابة القضاء لمكافحة الإرهاب.

يأتي هذا التصعيد بعد نحو سنة من قرار مجلس الأمة التعليق الفوري لعلاقاته مع مجلس الشيوخ الفرنسي، بما في ذلك بروتوكول التعاون البرلماني الموقع بين الطرفين بتاريخ 8 سبتمبر 2015، وذلك ردا على تواتر ما اعتبرته الجزائر زيارات استفزازية لمسؤولين فرنسيين إلى مدن الصحراء الغربية المحتلة وتصريحات داعمة للطرح الاستعماري.

وجاء هذا القرار حينها عقب الزيارة التي قام بها رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشيه، إلى مدينة العيون، حيث أدلى بتصريحات منسجمة مع مواقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في جويلية 2024، الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما اعتبره مجلس الأمة تكريسا لسياسات استعمارية وأطروحات منافية للشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة.

وفي السياق ذاته، وصف رئيس مجلس الأمة السابق، صالح ڤوجيل، تلك الزيارة بأنها انزلاق متواتر وانحراف خطير، يعكس تصاعد نفوذ التيار اليميني المتطرف داخل المشهد السياسي الفرنسي وتأثيره على صناعة القرار.

كما سجلت الغرفة العليا للبرلمان استياءها من زيارة وزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي إلى الصحراء الغربية المحتلة وتصريحاتها الداعمة للموقف المغربي، معتبرة أن تكرار مثل هذه الزيارات يعكس استخفافا بالشرعية الدولية ويتعارض مع قرارات مجلس الأمن، خاصة بالنظر إلى مكانة فرنسا كعضو دائم فيه.

وأكد مجلس الأمة، في حينه، تنديده الشديد بهذه التحركات ورفضه المطلق لما تحمله من انحياز واضح، مع تحميل الجانب الفرنسي كامل المسؤولية عن تداعيات هذه التصرفات التي وصفها بغير المسؤولة والمستفزة.

وكان رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي قد صرح من مدينة العيون بأن مستقبل ما يسمى بالأقاليم الجنوبية يندرج ضمن سيادة المغرب، مؤكدا أن موقف بلاده من قضية الصحراء يعد خيارا استراتيجيا تتبناه الدولة الفرنسية، كما أعلن عن توجه لتعزيز الحضور القنصلي الفرنسي في المنطقة المحتلة.

وتشير هذه التطورات المتلاحقة إلى أن العلاقات بين الجزائر وباريس مرشحة لمزيد من التوتر.