رحل الرئيس الأسبق اليامين زروال إلى مثواه الأخير، في صمت وكأنه لم يكن يريد إحداث بمراسيم جنازته أي إزعاج في الأجندة الرسمية للدولة ولا ليوميات الجزائريين الذين عايشوا فترة حكمه، وهو الذي كان مجاهدا ووزيرا للدفاع ورئيسا للجمهورية في أصعب فترة عرفتها الجزائر. لم تفقد برحيله الجزائر، فقط رجلا شارك في تحرير البلاد من الاستعمار وفي معركة البناء على حد سواء، بل الخوف أيضا من أنها فقدت أيضا أرشيفا من المحطات التاريخية والسياسية والذكريات والشهادات التي عاصرها في مسيرة طويلة مليئة بالأحداث والمواقف، خصوصا وأن عادة كتابة المذكرات لدى المسؤولين الجزائريين مقارنة بنظرائهم في دول أخرى، لم تترسخ بعد، إذ عادة ما يرحل الكثير منهم دون ترك شهادات مكتوبة.
رغم أن النخب السياسية والأمنية الجزائرية تفضّل الصمت، ربما لحكمة يعرفها جيل الثورة وحده أو للتعفف عن إثارة الجدل أو ربما نظراً لحساسية ملفات المرحلة التي عايشوها وصراعات الأجهزة التي عاصروها، لكن أتمنى أن يكون الرئيس الأسبق اليامين زروال قد ترك شهادات مكتوبة ولم يغيّبه الموت وقد أخذ سره معه مثلما هو شأن الكثير من الذين سبقوه في النضال والجهاد والمسؤولية في أعلى مؤسسات الدولة، بحيث رحل بوتفليقة وقبله الشاذلي وبن بلة وبوضياف ومهري وبن خدة وطالب الإبراهيمي وقايد صالح وغيرهم، دون أن يترك معظمهم، لا مذكرات شخصية ولا كتابات ولا شهادات يتغذى منها جيل الغد ويستفيد منها المؤرخون في كتاباتهم التاريخية، رغم أنهم كانوا فاعلين وشهود على محطات هامة من تاريخ الجزائر ماضيا وحاضرا.
يملك هذا الجيل من طينة اليامين زروال كنز تاريخي مهم من الأحداث والمواقف، لا تجده في كتب التاريخ ويكاد يغمره النسيان ولم ينقل حتى بالألسن من جيل لآخر، لأنه ظل حبيس الصدور ولم يجد طريقه ليدوّن في الأرشيف لسوء اهتمام من طرف المعنيين أو جراء لامبالاة أو لاعتقاد سائد بأنها تغضب البعض أو خوفا من إثارة الجدل قد لا تتحمل وزره المرحلة، وهو ربما ما ثبّت عزيمة البعض للإقدام على ذلك أو قتل الشهية في المحاولة بذلك، رغم تعطّش الجزائريين عموما والمؤرخين والدارسين خصوصا لمثل هذه الشهادات الحية لتثبيت الحقيقة التاريخية أكثر وتطهير بعض الأحداث التاريخية المفصلية من بعض الشوائب التي ألصقت بها، خصوصا مما يسمى بـ "زناة التاريخ"، مثلما يصفهم المجاهد الكاتب رشيد بوجدرة الذين يرى أنهم ساهموا من خلال "مواقفهم وأعمالهم في تشويه الذاكرة الوطنية وتلميع صورة الاستعمار الفرنسي".
نقول هذا الأمر ونشدد عليه، لأن هناك آلة أخرى أكثر قوة من إنجازات المؤرخين، وهي آلة يجب البحث لها عن اسم، وهي أقوى مما يمكن أن نسميه بالدعاية، تتمثل في عودة قوية لما يسميه المؤرخ جيل مونسيرون بـ "الروح الاستعمارية" ولهم نفوذ داخل مستويات عليا في السلطة الفرنسية من أنصار "الجزائر الفرنسية" ومن أحفاد الكولونيالية، من خلال هجمة عنصرية يمينية تحاول فرض سردية تاريخية وتزوير للأحداث الثورية، ليس من السهل على جيل اليوم من الجزائريين مقاومتها والتصدي لها في غياب شهادات مكتوبة للذين صنعوا ثورة الجزائر ومجدها ولم يريدوا لا جزاء ولا شكورا، خاصة وأن هؤلاء هم ملك ليس لأنفسهم وإنما للمجموعة الوطنية لأنهم الشموع التي تضيء المسيرة، ومن هذا الباب وفي ظل ثورة الذكاء الاصطناعي التي تغزو العالم والتي ستمس الأخضر واليابس وستسخّر لضرب الحقيقة التاريخية وتبييض الاستعمار القديم والحديث، إن كان يجوز العتاب الوحيد في حقهم، فهو زهدهم عن الكتابة.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال