قيام اللّيل أُنس بالرّحمن وقهر للشيطان

اسلاميات
19 يوليو 2018 () - الشيخ عبد المالك واضح
0 قراءة
+ -

أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”أفضل الصّيام بعد رمضان شهر الله المحرّم، وأفضل الصّلاة بعد الفريضة صلاة اللّيل”. قال الإمام النووي رحمه الله: في الحديث دليل على أن تطوع اللّيل أفضل من تطوع النهار.
الصلاة بصفة عامة زاد المُتقين، وقُرة أعين الصالحين، غير أن لها في جوف الليل لذةً لا يشعر بها إلا أهلها، خاطب بعض الصالحين الشمس فقال: أيّتها الشمس، لقد أطلت المكوث، أمَا آن لك أن تتواري، ألا فلتغربي! فهو يريد أن يأتي الظلام حتى يصُفَّ قدميه بين يدي ربه، فيعيش لذة لا يعلم مداها ولا يشعر بحلاوتها إلا مَن ذاقها، لقد وصف ربنا سبحانه عباده المتقين فقال: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، فهم يحيون اللّيل بالعبادة، فلا تراهم إلّا مستيقظين حين ينام الناس، ومنتبهين حين يغفل الناس، فترى نور الطاعة على وجوههم.
ولله در الشاعر حين قال:
امنع جفونَك أن تذوقَ منامَا
وذَرِ الدموعَ على الخدود سِجامَا
لله قوم أخلصوا في حبِّه
فَرَضَى بهم واختصَّهم خُدَّاما
قوم إذا جَنَّ الظلامُ عليهِمُ
باتوا هنالك سُجَّدا وقِياما
قيل للحسن البصري رحمه الله: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهًا؟ فقال: لأنهم خَلَوْا بالرحمن فألبسهم من نوره، ولما بين الباري سبحانه جملة من صفات عباد الرحمن، كان من بين هذه الصفات أنهم تميزوا عن غيرهم بأنهم يمضون ليلهم في قيام وسجود حُبا في الملك المعبود: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، ويقول سبحانه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}، قال حبر الأمة عبد الله بن العبّاس رضي الله عنهما: مَن أحب أن يهون الله عليه الوقوفَ يوم القيامة، فلْيَرَهُ في ظلمة اللّيل ساجدًا وقائمًا، يحذَرُ الآخرة ويرجو رحمة ربه.
وبين ربنا سبحانه فضل هذه العبادة ثم أعقبها بالجزاء الأوفى، فقال جل ذِكرُه: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، ثمّ عقّب سبحانه بقوله: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فكما أنهم أخفوا العمل الذي يقومون به سواء كان هذا العمل قيامًا أو نفقة، واستتروا بجنح الظلام، فأخفى أحدهم ما ينفق، فلا تعلم شماله ما تنفق يمينه، أخفى الله سبحانه وتعالى لهم الأجر في الآخرة، فلهم من الكريم الوهاب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ومن فضائل قيام اللّيل أنه قهر لوساوس الشيطان، ففي الصحيح: ”يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، ويضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلّت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلّى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلّا أصبح خبيث النفس كسلان”، تُرى كم في الأمة مَن يصبح نشيطًا طيّب النفس، وكم فيها من يصبح خبيث النفس كسلان، وكم في الأمة من إذا سمع جرس ساعته حوقل وهلل وكبر، ثم قام فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم صف قدميه بين يدي ربه، وخلا بمولاه فصلى ما شاء الله له أن يصلّي.
وهذه نماذج ممن كان قيام اللّيل دأبَهم، فهذا عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما كان إذا قام في الصلاة كأنه عود من شدة الخشوع، وكان يسجد فتقف العصافير على ظهره تحسَبه جِذْعًا، وكان منصور بن المعتمِر إذا ادلهم الليل يُصلّي في سطح بيته، فلما مات قال غلام صغير يسكن في البيت المجاور لبيت منصور بن المعتمر: يا أماه! الجذع الّذي كان على سطح آل فلان لستُ أراه الآن!، وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله يملك أمة فباعها، فعندما نزلت في بيت من اشتراها وانتصف الليل راحت توقظ أهل البيت، فقالوا لها: نحن لا نقوم إلا لصلاة الفجر، فقالت: والله لا أبقى عندكم، فرجعت إلى أبي سليمان وقالت: رُدني لقد بعتني إلى قوم سوء.
إنّ قيام اللّيل ارتباط بالله وثيق، وتربية رائدة، ولذلك فكل مَن ربى نفسه على ذلك فإنه في النهار يشعر بنشوة ولذة تمتد معه طوال النهار، والعبد إذا قام من اللّيل وصف قدميه لربه عابدًا خاشعًا سهل الله عليه القيام يوم يقوم الناس لرب العالمين، ومن استراح هنا تعب هناك، والجزاء من جنس العمل، والقيام فيه صحة جسم القائم وصفاء روحه وبهاء وجهه، فالفتوحات الربانية، والتوفيقات الإلهية، لا تتم إلا بفضل قيام اللّيل، فكم من عالم يُستغلق عليه فهم مسألة فيقوم يناجي ربه في جوف اللّيل فيفتح الله عليه، يقول الإمام السبكي رحمه الله: الفوائد تَرِد في ظلمات اللّيل، وكان الإمام البخاري رحمه الله يقوم في اللّيل أكثر من عشرين مرة، فيوقد السراج ثم يكتب المسألة، ثم ينام، ثم يقوم فيوقد السراج ويكتب المسألة، فكان حين ينام يتفكر ثم يقوم فيصلّي ركعتين ثم يسلم ويكتب مسألة إلى أن أخرج لنا هذا السّفْر العظيم الذي تلقته الأمةُ بالقَبول منذ ظهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

 

إمام مسجد عمر بن الخطاب
بن غازي ـ براقي

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول