متَى ترجع السّماحة لبُيُوعِنا؟!

اسلاميات
11 يناير 2019 () - عبد الحكيم قماز
0 قراءة
+ -

روى الصّحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ قال: ”رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى” رواه البخاري. فالسّماحة في البيع والشّراء هديّ نبويّ تربوي، تربّى عليه صحابة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ومَن اقتفى أثرهم، حيث لعِبَت التجارة دورًا عظيمًا في انتشار الإسلام.
أضحت صورة البائع الّذي لا يُراعي في تجارته وتعامله مع المشتري، القيم والسّلوكيات الأخلاقية الّتي أرشد إليها الإسلام الحنيف أتباعه في بيوعهم، هي الأساس في مثل هذا التّعامل، وتُعدّ مخالفة صريحة لهدي نبيّنا الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم في التعامل بين البائع والمشتري.
ويشير الحديث الشّريف ”رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى” إلى أنّ السّهولة واليُسر والتّسامح هي هدي الإسلام في بيوع المسلمين ومعاملاتهم. قال العلامة ابن بطال رحمه الله: ”فيه الحضُّ على السَّمَاحَة، وحُسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة، والرقّة في البيع، وذلك سبب إلى وجود البركة فيه؛ لأنّ النَّبيّ عليه السّلام لا يحضّ أمّته إلّا على ما فيه النّفع لهم في الدّنيا والآخرة” (شرح البخاري لابن بطال ج6 ص210). وقال الإمام المناوي رحمه الله: ”سمحًا” أي جوادًا أو متساهلًا، غير مضايق في الأمور... وهذا مسوّق للحثّ على المسامحة في المعاملة، وترك المشاحة والتّضييق في الطلب، والتَّخلُّق بمكارم الأخلاق” (فيض القدير للمناوي ج2 ص441).
وقد أجمع علماء الأمّة على تعلّم أحكام البيوع، قال العلامة ابن رجب في كتابه ”جامع بيان العلم وفضله” ج1 ص56: ”وقد بيَّنَ العلماءُ رحمهم الله العلمَ الواجبَ وجوبًا عينيًّا، وتكلّموا في المِقدارِ الّذي هو فرضُ عيْنٍ على كلّ مسلمٍ تعلُّمُه، وذكروا أنّ منه: تعلُّم أحكام البيوع لمَن يعمل بالتجارة، حتّى لا يقع في الحرام أو الرِّبا وهو لا يدري”.
وورد عن بعض الصّحابة رضي الله عنهم ما يؤيّد ذلك، قال سيّدنا عمر بن الخطاب رضيَ اللهُ عنه: ”لا يبع في سوقنا إلّا مَن قد تفقَّهَ في الدِّين” رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وقال سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: ”مَن اتَّجَرَ قبل أن يَتَفَقَّهَ ارْتَطَمَ في الرّبا، ثمّ ارْتَطَمَ، ثمّ ارْتَطَمَ”. أي: وقع في الرّبا. وإنّ أقلّ ما يمكن أن يُقال في نتائج وآثار غياب السّماحة من بيوعنا وغيرها هو غياب البركة والطمأنينة والسّهولة في معاملاتنا اليومية، وشيوع حالة من عدم الثّقة والشكّ بين البائع والمشتري، وهو ما يستتبع بروز مظاهر سلبية كثيرة أقلّها عدم مُراعاة كلّ من البائع والمشتري لحال الآخر وظروفه المادية والمعنوية، وتحفّز كلّ منهما لغبن الآخر أو بخسه حقّه بشكل أو بآخر.
وإذا كان الاستياء وعدم تمام الرِّضى هو المظهر السّلبي الأبرز لغياب السّماحة من بيوعنا ومعاملاتنا المادية ذات القيمة الصغيرة والبسيطة، والّتي يمكن أن يتطوّر فيها الأمر إلى الخلاف والمشاجرة وتبادل الشّتائم وغيرها. وقد أرجع بعض الخبراء رفع الدّعاوى أمام المحاكم وتوكيل المحامين وفساد ذات البَيْن بين الأهل والعائلة الواحدة أو الأصدقاء والجيران هو بعض آثار غياب السّماحة من بيوعنا ذات القيمة المادية الكبيرة.
ويمكن للسّماحة في البيع والشّراء والّتي هي نوع من العلاقة الرّبّانية بين البائع والمشتري، أن تُثْمِر مجموعة من النتائج الطيّبة، كالامتثال للهديّ النّبويّ حتّى يضمن المجتمع معه سلامة السّلعة من قبل البائع سعرًا وجودة، وكذلك سلامة المال من قبل المشتري بعدم البخس أو الحسد، ومباركة البائع والمشتري للصفقة فتحظى السلعة ويحظى المال بالرّضا والسّلامة من الحسد والسّخط، كما تحظى الصفقة بالدّعاء المتبادل والجالب للبركة بإذن الله.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول