"الراديكالية لن تفيد في تحقيق مطالب الحراك"

أخبار الوطن
14 يناير 2020 () - حاوره: محمد سيدمو
0 قراءة
+ -

يعتقد جيلالي سفيان، رئيس حزب جيل جديد، أن اتخاذ مواقف راديكالية من الرئيس الجديد، لن يساعد في تحقيق مطالب الحراك الشعبي الداعية إلى بناء دولة القانون. ويقول سفيان في هذا الحوار مع "الخبر"، إن حزبه سيتقدم بمقترحات في الدستور لتفادي تدخل الجيش في السياسة مستقبلا.

 

أعلن الرئيس الجديد عن معالم وملامح تعديل الدستور.. هل توافق من يقولون إن الحوار كان ينبغي أن يسبق هذه الخطوة؟

لا شك في أن الساحة السياسية تعرف غليانا، وهناك من يقول في خضم ذلك إن الحوار ينبغي أن يسبق أي خطوة تتعلق بالدستور. لكن من جهتي، أستطيع تفهم منطق الرئيس في العمل، فهو يريد من خلال تشكيل لجنة خبراء، الوصول إلى نسخة أولية لمشروع الدستور، ثم عرضها بعد ذلك للنقاش العام. أستطيع القول إن رسالة التكليف التي وجهها الرئيس للجنة الخبراء، تضمنت 7 محاور تصب في الاتجاه الإيجابي. السؤال هنا، هو كيف تتم ترجمة هذه المحاور، إذ يمكن أن تكون وراء هذا الخطاب والمواقف المبدئية، إرادة لبعث النظام من جديد كما يمكن أن تكون بداية للتغيير. ومن الأفضل لنا أن لا نتسرع ونطلق أحكاما مسبقة.

 

لكن ألا ترى أن تعديل الدستور الذي يفترض أنه عملية سياسية عبر لجنة من الخبراء، هو نفس الطريق الذي انتهجه الرئيس السابق دون الوصول إلى دستور متوافق عليه؟

في السياسة، هناك المواقف والقرارات وهناك النية التي تقف وراء ذلك. مع الرئيس السابق، أؤكد لك بأن النية كانت فاسدة وكل خطواته كانت تصب في خدمة مصالحه الخاصة وتقف ضد المصلحة العامة. لذلك، أقول إن النهج الذي اتبعه تبون في تعديل الدستور معمول به في دول أخرى وليس هو المشكل في حد ذاته.

 

لكن هناك من يقول إن المسار الذي جاء بتبون لرئاسة الجمهورية، يؤكد أن ثمة إرادة لتجديد النظام.. ما رأيك؟

لا بد أن نقدم تحليلا أعمق لما جرى حتى نستطيع فهم ما هو قادم. كنت دائما أحذر من الدفع بالحراك لتبني أهداف غير ممكنة التطبيق. لذلك، كنت أرفض طرح المجلس التأسيسي، وأقول إنه في ظل غياب شرعية قانونية، يصعب تعديل الدستور أو سن قوانين أساسية في البلاد، كما لم يكن ممكنا الوصول إلى ديمقراطية حقيقية في ظل سيطرة المؤسسة العسكرية. في الأشهر العشرة الأخيرة، كان للمؤسسة العسكرية هدف تفكيك منظومة بوتفليقة تحت غطاء الحراك ثم الدخول في مرحلة تكون فيها شرعية مع بقائهم متحكمين في الوضع، وهو ما بدا واضحا من خلال التخوف من الذهاب إلى انتخابات مفتوحة وإمكانية خروج وجوه لا يتحكمون فيها. هدفهم الاستراتيجي كان إذن مجيء رئيس متفق عليه، ثم الشروع في بناء نظام سياسي جديد.

لا شك في أن تفكيك النظام البوتفليقي كان ضرورة لأنه بعد أن حطّم كل المؤسسات والآليات التي يمكن أن تقود لتغيير سياسي وسلس. الآن، لدينا رئيس صحيح أنه مفروض بالأمر الواقع، ومن حقنا أن نطرح السؤال إن كان مكلفا بمهمة بناء نفس النظام الذي كنّا فيه، أم أنه واع ومن ورائه المؤسسة العسكرية بضرورة بناء نظام جديد يقوم على دولة القانون؟ نحن من جهتنا، نأمل أن تكون هذه العهدة الرئاسية عهدة انتقالية، لتتحقق فيها كل مطالب الحراك.

 

تتحدث عن النظام البوتفليقي.. لكن هناك من يرى أن النظام الحالي لم يأت بمجيء بوتفليقة ولم يرحل برحيله.. هل هناك مؤشرات في رأيك على انسحاب المؤسسة العسكرية من تدبير القرار السياسي؟

في اعتقادي هناك بعض المؤشرات. رئيس أركان الجيش الجديد، ليس اليوم عضوا في الحكومة، وكان واضحا من البداية عندما قال إنه يعمل تحت وصاية وزير الدفاع الذي هو الرئيس. عندما نعود للعشرين سنة الأخيرة، نلاحظ بأن الجيش لم يكن له دور في القرار السياسي أو الاقتصادي الذي كان من صلاحيات بوتفليقة لوحده. لكن الجيش بقي في رأيي يتدخل في مسألة اختيار الرئيس. لذلك، سنتقدم، في ما يخص تعديل الدستور، باقتراحات تسمح بتفادي أن يكون للجيش أي دور سياسي في المستقبل. أعتقد أنه يجب مراجعة صلاحيات المجلس الأعلى للأمن، بحيث يقتصر دوره فقط على مسائل الأمن القومي للبلاد، مع ترك كل ما له علاقة بالسياسة للسياسيين.

 

كانت السلطة في السابق تتحجج بمخاوف الفراغ في رئاسة الجمهورية في رفض بعض المبادرات السياسية. اليوم مع وجود رئيس للجمهورية، ما الذي يمنع في رأيك انتخاب برلمان يقوم بإعداد الدستور مثلما حدث في عدة تجارب بالعالم؟

هذا يعيدنا إلى فكرة المجلس التأسيسي والذي في اعتقادي لا يمكن تطبيقه في التجربة الجزائرية. هناك تناقضات كبيرة في المجتمع، بعضهم يطالب بدولة لائكية، وآخرون بدولة إسلامية، وبعضهم الآخر يطالب بإدماج البعد الأمازيغي وآخرون يرفضون إدراجه.. ثنائيات كثيرة من هذا النوع، كان سيكون المجلس التأسيسي أو البرلمان التأسيسي مجالا خصبا لها، وكان الأمر سيستغرق نقاشات لا نهاية لها. في اعتقادي، مطالب الحراك واضحة ولا تحتاج إلى نقاش كبير. الكل يطالب بدولة القانون والتوازن بين السلطات واحترام سيادة الشعب وعدالة مستقلة. ومن السهل تضمين الدستور الجديد النصوص والآليات التي تتيح كل ذلك بشكل مباشر.

 

هل في اعتقادك يجب الذهاب إلى حلّ البرلمان الآن؟

حتى نذهب لانتخابات تشريعية شفافة ونزيهة، لا بد من تغيير قوانين الانتخابات والأحزاب والإعلام، وهذا لا يتأتى إلا بتغيير الدستور. هذا يجعل من حلّ البرلمان مشكلا، لأن الدستور الحالي يفرض الذهاب إلى انتخابات تشريعية مسبقة في آجال قصيرة والبلاد غير مستعدة لذلك. لذلك، أفضل أن يبقى البرلمان الحالي، على أن يكون دوره شكليا، ما دام يفتقد للمشروعية. ومن ناحيتي، أفضل أن نذهب لعرض تعديل الدستور مباشرة على الشعب وعدم عرضه على البرلمان الحالي الذي قد يشوه العملية برمتها، ما دام الدستور الحالي يتيح للرئيس الذهاب إلى الاستفتاء بشكل مباشر.

 

ما هي الأجندة التي تتوقعها لتعديل الدستور والانتخابات التشريعية؟

أتوقع أن تكون الانتخابات التشريعية في نهاية هذه السنة. في ظرف 6 أشهر يمكننا الذهاب لاستفتاء على الدستور الجديد ثم تغيير باقي القوانين، على أن يُحلّ البرلمان الحالي في شهر جويلية. ثم تجرى بعد ذلك بعد 90 يوما الانتخابات التشريعية.

يلاحظ أن خطابكم يتبنى موقفا ليّنا من الرئيس تبون، وقد سبق لكم في سنة 2017 عندما كان وزيرا أول أن دعوتم لمساندته في صراعه مع بعض رجال الأعمال.. هل يمكن القول أنكم تدعمون تبون اليوم؟

من جهتي، لم ألتق في حياتي مع الرئيس تبون، لا في 2017 ولا في غيرها. بعد ذهاب عبد المالك سلال من الحكومة ومجيء تبون، ظهرت نية لتطهير الميدان الاقتصادي، ويمكن القول إنه دخل في حرب مع "العصابة الاقتصادية". وعلى هذا الأساس، دعمنا خطته، لكن ذلك لم يكن الهدف منه جني أي فائدة سياسية، والدليل أننا رفضنا حتى دخول الانتخابات التشريعية والبلدية بعدها.

 

ما رأيكم في من يخالفكم رؤية الحوار والتعاون مع تبون اليوم في الساحة السياسية؟

سمعت أن بعض الأحزاب التي كانت ترفض تماما الذهاب إلى انتخابات رئاسية، تريد تنظيم ندوة خاصة بها تخرج تماما عن إطار الدولة، وهذا نوع من العصيان المدني. أعتقد أنه لا يمكن وفق هذا المنهج تغيير النظام. نحن من جهتنا، منسجمون مع أفكارنا، ولما ذهبنا إلى ندوة عين البنيان في 6 جويلية، كنا مؤمنين بضرورة الحوار بعد تحقيق إجراءات التهدئة. وفي ذلك الوقت، تعرضنا لانتقادات لاذعة ضد حزبنا. اليوم، نحن نجدد نفس الموقف، فنحن مع الحوار مع وجود نية واضحة وضمانات بأن تتجه السلطة نحو التغيير. الآن تبون بدأ بإطلاق سراح سجناء الرأي، وتحدث عن فتح المجال الإعلامي وغير ذلك، ونحن ننتظر تجسيد هذه الوعود. أعتقد أن هذه الطريقة هي الأنسب، عوض أن نسير بمنطق رفض كل شيء ودفع الرأي العام نحو التشدد والراديكالية الذي يذهب إليه البعض.

 

أنت تقصد أحزاب البديل الديمقراطي في موضوع الندوة.. حتى ندوة مازافران رآها البعض خارج سلطة الدولة.. لماذا ترى الموضوع خطيرا؟

لم أقل أن الأمر خطير. لكني لا أعتقد أنه سيأتي بنتيجة. عندما انهار النظام البوتفليقي تعرت الدولة، ولم يبق سوى العمود الفقري لها والمؤسسة العسكرية، وعلينا اليوم أن نبني نظاما جديدا ولا نتسبب في هدم ما بقي. إذا واصلوا بمنطق "يتنحاو ڤاع" أو "الجنرالات إلى المزبلة"، فهذا لا يشكل في رأيي طريقا للتغيير السلس الذي يأتي بنظام ديمقراطي. هذا لا يعني من جهتي أني أساند تبون، لكني أرى ضرورة أن نذهب إلى حوار ومشاورات، انطلاقا من الشعار الذي رفعناه حتى قبل 22 فيفري "نريد مساعدة النظام على الرحيل"، بمعنى أننا نستطيع الذهاب إلى تغيير سلس دون اصطدام في المواقف أو الألفاظ مع النظام.

وأود أن أشير هنا، إلى بعض المعارضين في الخارج الذين خوّنوا كل من كان لهم قبول مبدئي للحوار، وذهبوا بعيدا في التحريض وإعطاء أمل زائف للمواطنين بخصوص عدم تنظيم الانتخابات الرئاسية. هؤلاء يتحملون أيضا المسؤولية، لأنهم دفعوا الناس إلى اليأس. الانتخابات الرئاسية لم تكن أبدا هي الهدف في اعتقادي بل محطة فقط، لأن ما نصبو إليه هو بناء دولة القانون. هؤلاء أوهموا الناس أن نجاح الحراك مرتبط بفشل الانتخابات، وهذا خطأ استراتيجي كبير، إذ حتى وإن كنا نؤمن أن الانتخابات غير شفافة، لكنها لم تكن أبدا تستدعي صداما مع السلطة كما كان يريد البعض.

 

لكن في الحراك اليوم، توجد كتلة معتبرة ترفض أي حوار مع السلطة.. كيف تنظر إلى مستقبل الحراك على ضوء ذلك؟

بعد الانتخابات الرئاسية، قلت إن الحراك يجب أن يستمر، لأننا لا نملك الثقة الكافية في السلطة. لكن الطبقة السياسية تتعامل مع الواقع، فإذا كانت السلطة مستعدة لتقديم تنازلات، فيمكن استغلال هذه الفرصة والتفاوض حول ذلك. إذا تم التوصل إلى نتائج وتحققت كل المطالب، ففي تلك اللحظة لن يصبح لبقاء الحراك معنى. في اعتقادي، تتحمل الطبقة السياسية مسؤولية في عدم دفع الحراك للمجهول والتخفي وراءه، بل عليها أن تتحمل مسؤوليتها في طرح الحلول القابلة للتطبيق. من جانب آخر، أعتقد أن الوقت حان للحراك من أجل تنظيم الصفوف وتشكيل أحزاب ونقابات وجمعيات وغير ذلك، لأنه يجب استغلال هذا الظرف للذهاب بأفكار وبرامج جديدة في الاستحقاقات المقبلة في حال تحققت المطالب وأهمها اللجنة المستقلة لتنظيم الانتخابات.

 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول