واجب الوقت.. الصّدقة وقت المحن

اسلاميات
10 مايو 2020 () - بو بكر كباسي
0 قراءة
+ -

لاشك أنّنا في وقت نحن بحاجة فيه إلى نشر التّآخي والرّحمة والمودّة بسبب هذا الوباء الّذي ألمَّ بأمّتنا وبالبشرية جمعاء.
كثيرة هي الأعمال الّتي لا تكلّفنا جهدًا كبيرًا، ولا وقتا طويلًا ولا مالًا كثيرًا، ولها من الآثار والمنافع ما من شأنه أن يهوِّن وطأة المحنة وشدّتها.
وأحثّ إخواني على عمل بسيط، لكن أجره عميم عظيم يتعدّى صاحبه إلى غيره، ويتعدّى دنياها إلى أخراه، وينفع في هذه المحنة وما بعدها بإذن الله تعالى، عمل يُنقص به الله تعالى من ذنوبنا وسيّئاتنا، ومَن منّا لا يخاف أن تهلكه ذنوبه في الدّنيا قبل الآخرة، عمل يصل ثوابه إلى موتانا من آبائنا وأمهاتنا ممّن توفاهم الله تعالى، عمل يدفع الله تعالى به عنّا ما هو واقع بنا من بلاء ووباء ويدفع به النّقم والمكاره والأسقام ممّا سيكون لا قدّر الله من انعكاسات هذا الوباء بعد زواله، عمل يُبارك الله تعالى به في أموالنا والبركة إذا حَلّت في الأولاد صلُح حالهم وإذا حَلّت بالأموال كثّرتها وإن كانت قليلة، عمل نجد أثره في أولى ساعات الموت عندما تأتي لحظاته الأولى ليخفّف الله به من آلام تلك اللحظات.. إنّه الصّدقة الّتي قال فيها ربّنا تبارك وتعالى: “وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ”.
ومَن تأمّل هذه الآية وجد كيف للّذي كتب عليه الموت أن يتمنّى الرّجوع ليتصدّق ويعمل صالحًا، قال علماؤنا إنّه تمنّى التصدّق بالصّدقة لما رأى من أثرها العظيم بعد الموت.
إنّها الصّدقة الّتي قال فيها نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم كما عند مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “والصّدقة برهان” أي دليل على صحّة وقوّة إيمان العبد. الصّدقة الّتي قال فيها نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام: “والصّدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار”، وقال أيضًا: “داووا مرضاكم بالصّدقة”.
إنّ الصّدقة من الأعمال الّتي تُسهِّل انتزاع الروح عند لحظات الغرغرة، فالروح منتشرة في كامل الجسد وانتزاعها ليس بالأمر السّهل على صاحبها، فيأمُر الله تعالى ملك الموت أن ينتزعها برِفق ويُعطيه القدرة على ذلك بسيب الأعمال الصّالحة ومنها الصّدقة الّتي ستكون نعم المؤنس لصاحبها في قبره، فكلّ واحد منّا سيُخلى بينه وبين قبره، وتُحَلّ عنه أربطة الكفن، فتأتي الصّدقة الّتي قال فيها النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام: “إنّ الصّدقة لتُذهب حَرَّ القبور”، وقال أيضًا: “إنّما يستظلّ المؤمن يوم القيامة في ظلّ صدقته”، وحديث السّبعة الّذين يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه، وذكر: “ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه”.
ما قيمة الصّدقة الّتي نتصدّق بها؟
قد يظن البعض أنّ الكلام موجّه للأغنياء ورجال المال والأعمال فقط، والحقيقة ليست كذلك، فقد قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما عند البخاري من حديث جابر رضي الله عنه: “كلّ معروف صدقة”، وهاهو نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم يخاطب أمّنا عائشة رضي الله عنها ويقول: “يا عائشة استتري من النّار ولو بشقّ تمرة”، فكم تساوي قيمة أو ثمن التمرة في حساب البشر اليوم؟
فكلّ واحد منّا باستطاعته أن يتصدّق بأكثر من تمرة وبكلّ ما يظهر له أنّه هيِّن القيمة بخس الثمن، ولكن الله تعالى سيكبره ويُنمّيه ليصبح مثل جبل أُحُد في الأجر والثّواب كما قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أنّ الله يُرْبِيهَا له كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فَصيله.
فلنتفقّد الفقراء والمساكين والمحتاجين من أقربائنا وأرحامنا وجيراننا وزملائنا دون أن ننسى أرباب الأسر الّذين توقّف دخلهم اليومي بسبب انعكاسات الوباء من خلال إجراءات الحظر وتوقف النقل، وكل ذلك حتّى نُخفّف عليهم وطأة الوباء بسدِّ جوعتهم واحتياجهم. فمَن أراد أن يُدرك هذا الأجر الّذي ذكرنا وغيره ممّا لم نذكره فليُشارك وليُسهِم في كلّ الحملات الّتي تعمل على جمع وتوزيع الصّدقات من خلال الطرود والقفة ومختلف الإعانات ليرفع الله عنّا هذا الوباء ويدفع عنّا شرّه ونؤسّس لمجتمع ما بعد الوباء ليكون متراصًا متآخيًا مُجتمِعًا مجتنبًا لانعكاسات هذا الوباء مستقبلًا بإذن الله تعالى.

إمام   مسجد الغفران-الحجار ، عنابة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول