الإسلام ودوره في المحافظة على البيئة

اسلاميات
8 يونيو 2020 () - د. عبد الحق حميش
0 قراءة
+ -

يتفق العلماء ومعظم الحكومات على أنّ العالم يواجه أزمة بيئية غير مسبوقة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتناقص أعداد ضخمة من الأنواع، حتّى وصولها لحافة الانقراض. وخلال الأشهر القليلة الماضية، دقّ المجتمع العلمي، مرارًا وتكرارًا، ناقوس الخطر بشأن انهيار التنوّع البيولوجي.
اعتبر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أنّ سنة 2020 تعتبر سنة حرجة بالنسبة لمسألتي التغيُّر المناخي والتنوّع البيولوجي، فالطبيعة اليوم في أزمة، ونحن نخسر الأنواع بمعدل أكبر 1000 مرّة من أيّ وقت آخر في التاريخ البشري المسجّل. كما أنّ الاستغلال المفرط والصيد الجائر يهدّدان الطبيعة، على الأرض وتحت الماء، ويعتبران من أهم الأسباب المؤدية إلى فقدان التنوّع البيولوجي.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ سنة 2020 تعتبر استثنائية على صعيد البيئة، خصوصًا بعد انتشار جائحة فيروس كورونا الّذي تسبّب بما يزيد عن 383 ألف وفاة عبر العالم، فضلًا عن عدد الإصابات الّتي فاقت الستة ملايين عبر العالم.
وتدرك الأمم المتحدة أنّ حماية البيئة البشرية وتحسينها هي مسألة أساسية تؤثّر على رفاه الشعوب والتنمية الاقتصادية في كلّ أنحاء العالم، ولذا اعتمدت يوم 05 يونيو بوصفه اليوم العالمي للبيئة.
هذا ويمثّل يوم البيئة العالمي منصة قويّة لتسريع وتضخيم وإشراك النّاس والمجتمعات والحكومات في جميع أنحاء العالم، لاتّخاذ إجراءات بشأن التحديات البيئية الحرجة الّتي تواجه كوكبنا الأرضي.
وديننا الإسلامي دين المحافظة على البيئة، دين الإيمان بالقيم الإنسانية الرفيعة، وعدم تلويث المحيط الفيزيائي أو المعنوي بأيّ آثار ضارة. وقد سبق الإسلام إلى مكافحة تلوث البيئة، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “لا يبولن أحدكم في الماء الرّاكد ثمّ يغتسل فيه”.
وقد جعل الإسلام المحافظة على البيئة جزءًا من إيمان الفرد المسلم، ما يدل على الاهتمام الكبير الّذي يوليه ديننا الحنيف لحماية البيئة من أيّ شيء يؤدّي إلى تلوثها أو تدهورها. وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق”، وفي حديث آخر: “إماطة الأذى عن الطريق صدقة”، وهذان الحديثان يدلّان على رعاية الإسلام واهتمامه بالبيئة، حيث أنّ الإسلام ربط بين الإيمان وإبعاد الضرر عن المسلمين.
لقد بادرت مبادئ الدّين الإسلامي منذ أمد بعيد إلى إرساء معالم تحمي البيئة، ومن الفخر أنّها كانت ومنذ أربعة عشر قرنًا ذات توجيه ملزم، باعتبارها فروضًا في الدّين الإسلامي الحنيف ضمتها مصادره قرآن وسُنّة وأكدها سلوك الصّحابة والتابعين.
لقد حثّت آيات القرآن الكريم المسلم على الحفاظ على البيئة وحمايتها، وهو واجب ديني أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نحافظ على الأرض وما بها من خيرات، قال تعالى: “كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ”.
واهتمّت السُّنّة اهتمامًا بالغًا بالغرس والتّشجير وتخضير الأرض، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلّا كان له به صدقة”.
وحثّنا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم على النّظافة وعلى جمال الطبيعة الخلّابة، قال صلّى الله عليه وسلّم: “إنّ الله جميل يُحبّ الجمال”.
وللإسلام منهاج في معالجة تلوث البيئة، وهو نهج يقوم على مبدأ ديني باعتبار أنّ التدخل بتغيير الحالة الطبيعية لأيّ من عناصر البيئة هو إفساد لها، والفساد أمر حرّمه الشّارع الإسلامي بنصوص قاطعة.
ويعتبر هذا الموضوع من الإعجاز القرآني الّذي صدر من المولى سبحانه وتعالى على لسان رسوله الكريم، منذ أربعة عشر قرنًا من الزّمان.
وهكذا، فإنّ المنطق الأساسي في عقيدة الإسلام أنّ العدوان على خلق الله هو فساد في الأرض، وهو محرّم شرعًا، وله الجزاء في الدّنيا والآخرة، وفي ذلك يقول تعالى: “وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ”.
ولم يقف الإسلام الحنيف عند مجرّد النّهي عن الفساد، رغم إيجابية قاعدته وصياغته في صورة ملزمة واعتبارها أوامر ونواهي إلهية، بل ذهب الإسلام الحنيف في استهدافه لعمارة الأرض إلى الحثّ على تشجيع الزراعة واستصلاح الأراضي، بما يؤدّي إليه ذلك من إصلاح في البيئة وحياة الكائنات. وقد حثّنا الرّسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم على زراعة الأرض وتشجيرها، وذلك في أروع ما يمكن أن يقال في هذا الموضوع، فعنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: “إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”.
والواجب على المسلم المؤمن أن يشكُر الله ويحمده على ما سَخَّر له من بيئة، وأن يحسن استخدام البيئة واستغلالها لمصلحته والبشرية، دون تدمير ولا تلويث وإفساد، كما استخلفه عليها، فهي أمانة في يده وتحت تصرّفه.

[email protected]

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول