العالم

تنامي الشكوك داخل أمريكا بشأن الحرب على إيران

الجدل يدور حول ما إذا كانت قادرة على هزيمة إيران عسكريا.

  • 1964
  • 3:40 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

بعد دخول الأسبوع الرابع من الحرب على إيران التي تقودها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، يزداد مستقبل هذه الحرب قتامة وتتعاظم المخاوف من مآلاتها بسبب عدم قدرة من يقفون وراءها على تحديد أهدافها، بالإضافة إلى سوء تقدير قدرة إيران في الرد وسقوف الرد وقدرتها على المواجهة، اليوم وبعد أن وصلت نيران الحرب المحيط الهندي وقلب الكيان والجغرافيا النووية "الإسرائيلية" ارتفع منسوب الشك في الأوساط الأمريكية.

لم يعد الجدل داخل الولايات المتحدة يدور حول ما إذا كانت قادرة على هزيمة إيران عسكريا، بل تحول إلى سؤال أكثر خطورة هل يمكن أصلًا "كسب" هذه الحرب؟ وإذا حدث ذلك، فهل ستكون نتائجه في صالح واشنطن أم ضدها؟

هذا التحول في النقاش لم يأت من خصوم أمريكا، بل من داخل النخبة السياسية والفكرية نفسها، أحد أبرز مصادر القلق يتمثل في غياب استراتيجية واضحة لما يُعرف بـ "نهاية اللعبة". فإدارة الرئيس دونالد ترامب لم تقدّم حتى الآن تعريفا محددا لما تعتبره "نصرا" في هذه الحرب. هل الهدف هو تدمير البرنامج النووي الإيراني؟ أم إضعاف القدرات العسكرية؟ أم الذهاب أبعد نحو تغيير النظام؟

هذا التداخل في الأهداف لا يعكس فقط ارتباكا سياسيا، بل يطرح معضلة استراتيجية حقيقية: كل خيار من هذه الخيارات يتطلب أدوات مختلفة، وكلفة مختلفة ومخاطر مختلفة. وفي غياب وضوح الهدف يصبح من الصعب تحقيقه أو حتى قياس النجاح فيه.

التجارب السابقة ما تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الأمريكية، فقد أظهرت حروب مثل العراق وأفغانستان أن التفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى استقرار سياسي.

إيران، في هذا السياق، ليست هدفا سهلا. فهي دولة كبيرة تمتلك قدرات عسكرية معتبرة وشبكة من الحلفاء في المنطقة، وأخر التهديدات جاءت من جماعة الحوثي التي تربطها وواشنطن اتفاق وقف إطلاق النار، حيث هددت بأنها لن تبق مكتوفة الأيدي، ما يجعل أي مواجهة معها مرشحة للتحول إلى صراع طويل قائم على الاستنزاف، بدل أن تكون حربا خاطفة وحاسمة كما روّج لها الرئيس ترامب الذي دخل في سلسلة تناقضات في تصريحاته حول أسباب الحرب وما تم إنجازه في تحقيق بنك الأهداف والأهداف بحد ذاتها.

القلق لا يتوقف عند حدود الحرب نفسها، بل يمتد إلى سلوك القيادة السياسية، وتشير تحليلات بمجلة "فورين بوليسي" إلى أن الرئيس دونالد ترامب قد يتصرف بطرق تزيد من تعقيد الوضع في مختلف السيناريوهات، حيث تقول الكاتبة سوزان نوسال في مقال لها بعنوان "ما قد يفعله الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إذا فشل في تحقيق أهدافه في إيران بأن خطة الرئيس المعتمدة عند مواجهة الهزيمة ستكون خطيرة بشكل خاص في سياق الحرب، ففي حال تعثر الحرب قد يميل إلى تصعيدها بدل احتوائها، عبر توسيع الضربات أو استهداف بنى أعمق داخل إيران. أما في حال تحقيق نجاح عسكري، فقد يُفسَّر ذلك كدليل على صواب نهجه، ما قد يدفعه إلى اعتماد القوة كخيار أول في أزمات أخرى. بهذا المعنى، يصبح النصر نفسه عامل خطر وليس ضمانة للاستقرار.

ويذهب الكاتب توماس فريدمان إلى أبعد من ذلك في مقال له على "نيويورك تايمز"، إذ يشكك في فكرة "الحسم النهائي" في صراعات الشرق الأوسط، فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع القضاء على الصراعات المتجذرة في المجتمعات.

حتى الضربات القاسية، حسبه، لا تنهي الحركات أو الأفكار، بل غالبًا ما تؤدي إلى إعادة إنتاجها بأشكال جديدة. ومن هذا المنطلق، فإن أي مواجهة مع إيران كدولة ذات مؤسسات ومجتمع معقد لن تؤدي إلى نهاية حاسمة بل إلى مرحلة جديدة من الصراع. من جهته، اعتبر وزير خارجية سلطنة عمان بدر البوسعيدي، أن الولايات المتحدة "فقدت السيطرة" على سياستها الخارجية وانجرت إلى حرب لا تخدم مصالحها.

وأشار إلى أن التصعيد العسكري جاء في وقت كانت فيه فرص التفاوض مع إيران قائمة، ما يعني أن الخيار العسكري لم يفتح أفقا جديدا، بل أغلق باب الحلول السياسية، كما شدد على أن لا أحد سيخرج منتصرا من هذا الصراع، داعيا إلى العمل على إنهائه بدل توسيعه.

إلى جانب التعقيدات السياسية والعسكرية، تبرز مخاطر اقتصادية وجيوسياسية واسعة، فالتوتر في منطقة الخليج يهدد إمدادات الطاقة العالمية ويضع مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط في دائرة الخطر. كما أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما تجلى في الانقسامات في حلف الناتو حول مشروعية الحرب على إيران وعسكرة مضيق هرمز، فضلا عن احتمال توسع النزاع ليشمل أطرافا إقليمية أخرى، وفي حال السعي إلى تغيير النظام قد تجد واشنطن نفسها أمام خيار التدخل البري بما يحمله من تكاليف بشرية ومادية ضخمة وتأثيرات لا يمكن تخيلها حول مستقبل كل المنطقة. وأمام كل هذه المعطيات والمستجدات التي لم تكن في الاتجاه الذي تخيّله واشتهاه ترامب، إذ انتقل الشك داخل الولايات ليصبح جزءا من النقاش المركزي حول هذه الحرب، فالمشكلة بالنسبة للحرب الأمريكية لا تكمن قي القدرة على هزيمة إيران، بل في غياب تصور واضح لما بعد الحرب التي دخلها ترامب دون أهداف محددة.

رضا شنوف