الوطن

موسى دارمانان.. على خطى روتايو

يستغل العدالة في تصفية الحسابات لأغراض سياسية.

  • 2298
  • 2:37 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم يعد الخطاب الهادئ سمة النقاش السياسي في فرنسا، حيث اتجه جزء من الطبقة السياسية إلى استبدال لغة الدبلوماسية بمنطق التصعيد، ومبادئ دولة القانون بحسابات المزايدة. ويبرز، في هذا السياق، وزير العدل الفرنسي جيرالد موسى دارمانان، الذي لم يعد حضوره مرتبطا باستقلالية موقعه بقدر ما أصبح يعكس اصطفافا سياسيا واضحا خلف برونو روتايو (وزير الكراهية والعنصرية السابق بدل الداخلية)، في مشهد يعكس تغييرات عميقة في الساحة السياسية الفرنسية.

ولا يبدو أن العلاقة بين الرجلين تقوم على تقاطع في الرؤى بقدر ما تعكس حالة من التبعية السياسية، حيث يذهب دارمانان إلى تبني أطروحات روتايو وتكرارها بحماس ملحوظ، يصل أحيانا إلى حدود الغلو والمبالغة، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول غياب خط سياسي مستقل، مقابل سعي واضح إلى استعارة خطاب اليمين المتطرف بكل ما يحمله من حدة.

وتتجلى المفارقة في كون هذا الاصطفاف يتم خلف شخصية سياسية لم تتمكن بدورها من فرض موقع قوي داخل معسكرها اليميني، ما يجعل هذا الخيار أقرب إلى تعبير عن أزمة في المرجعيات، أو بحث متسارع عن شرعية سياسية بأي ثمن.

غير أن ما يثير القلق أكثر هو انعكاس هذا التوجه على أداء المؤسسة القضائية في فرنسا، والتي يفترض أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية والحزبية، حيث تفيد بعض المؤشرات بأن خطاب "الحزم والصرامة" يخفي توجها نحو توظيف العدالة في سياق صراع سياسي غير معلن، خاصة في ما يتعلق بالملفات ذات الصلة بالجزائر.

ولعل أبرز دليل على ذلك، تلك القرارات التي مست قبل أيام قليلة رعايا جزائريين، كما هو الحال مع القضية الملفقة للموظف القنصلي الجزائري، وتجاهل الإنابات القضائية المتعلقة بملفات فساد وتهريب أموال مكتنزة لدى البنوك الفرنسية، وهي قرارات لا تقرأ - في نظر متابعين - باعتبارها إجراءات قانونية معزولة، بل تندرج ضمن سياق سياسي وإعلامي متكامل، يعكس توجها نحو تصدير الأزمات الداخلية عبر خلق توتر مع طرف خارجي.

وفي هذا الإطار، يظهر دارمانان، الذي لا يمكنه التستر على جذوره العائلية، في صورة المدافع الصارم عن النظام العام والعدالة ومبادئ الجمهورية، غير أن هذه الصورة، حسب قراءات عديدة، تبدو محكومة باعتبارات سياسية أكثر من ارتباطها الصارم بروح القانون.

كما أن تبني خطاب متشدد تجاه الجزائر والجزائريين يفهم، في سياق أوسع، كمحاولة لكسب نقاط داخل المشهد السياسي الفرنسي، خاصة في ظل تصاعد نفوذ التيارات اليمينية.

ويرى متابعون أن هذا التوجه يعكس تحولا نحو توظيف القضايا الحساسة، وعلى رأسها ملفات العدالة، في إطار صراع سياسي داخلي، بما يحمله ذلك من مخاطر على مصداقية المؤسسات، وعلى طبيعة العلاقات الثنائية مع الجزائر.

وفي مقابل الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار استقلالية القضاء، تبرز تساؤلات متزايدة حول مدى انسجام هذا الشعار مع بعض الممارسات، خاصة في ظل سوابق أثارت جدلا بشأن كيفية التعاطي مع ملفات قضائية ذات طابع سياسي.. وأبرزها الاستهتار بأحكام العدالة في قضايا الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، والتي -أي الأحكام- قلبت من الحكم بالسجن النافذ خمس سنوات، إلى حرية كاملة معززة بـ"سوار"!

كما أن المضي في هذا النهج، القائم على التصعيد واستثمار الملفات القضائية، لا يخلو من تبعات، سواء على مستوى صورة فرنسا في الخارج، أو على مستوى استقرار علاقاتها مع شركائها، وفي مقدمتهم الجزائر.

لذلك، فإن السعي إلى إظهار الحزم عبر خطاب سياسي متطرف قد يفضي إلى نتائج عكسية، حيث يتحول إلى مجرد موقف ظرفي يفتقر إلى رؤية استراتيجية. وهو ما يطرح، في النهاية، سؤالا أعمق حول حدود التداخل بين السياسي والقضائي، وحول كلفة هذا المسار على مصداقية الدولة ومؤسساتها.