العالم

الفخاخ الجيوسياسية للمرحلة الثانية في غزة

أصبحت غزة ساحة لصراع نفوذ إقليمي يتجاوز الحدود الفلسطينية الصهيونية.

  • 788
  • 2:33 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تمثل المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة معادلة معقدة تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية والعالمية، وما يُصوَّر على أنه "تلكؤ أمريكي-صهيوني" يخفي تحته صراعاً بين منطقين، منطق نظرية السلام الديمقراطي المزعوم الذي تتبناه واشنطن بشكل انتقائي، ومنطق الواقعية الهجومية الذي تنتهجه حكومة نتنياهو لتحقيق مكاسب استراتيجية قصوى. هذا الجمود ليس عشوائيا، بل هو نتاج حسابات دقيقة تستخدم بمنطق نظرية الألعاب في إدارة الصراع، حيث يسعى الكيان لتحقيق "توازن القوى" الجديد الذي يضمن هيمنته الأمنية حتى على حساب تفجير الاتفاق.

وفيما يسعى الكيان لتعزيز قوته وأمنه بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية أو القانونية بدعم غربي أمريكي بالخصوص، يأتي رفض الانسحاب الكامل من غزة والتحكم بمعبر رفح، وتأخير نشر قوة الاستقرار الدولية، كإجراءات تندرج ضمن استراتيجية "خلق الوقائع على الأرض" لفرض حلول غير متوازنة. في المقابل، يعكس الموقف الأمريكي تناقضا بين دعم الحلول متعددة الأطراف، وتحالفات مصلحية قصيرة الأمد، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والانتخابات الأمريكية المقبلة.

لذا أصبحت غزة ساحة لصراع نفوذ إقليمي يتجاوز الحدود الفلسطينية الصهيونية، إذ أن التصعيد الأمريكي الإيراني الحالي يخلق تشويشا استراتيجيا، في وقت ستخدم الكيان الأزمة الإيرانية كذريعة لإعادة ترتيب أولوياته في غزة وفق مقاربة الفوضى الخلاقة التي تهدف إلى إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار تسمح بإعادة هندسة الخريطة السياسية في ظل مخاوف من "تهجير" الفلسطينيين حسب الهندسة الديموغرافية التي يتبناها الكيان تاريخياً لتحقيق تفوق ديموغرافي.

وتقترب الانتخابات التشريعية لدى الكيان والمرتقبة في أكتوبر 2026 لتشكل محركاً رئيسياً للجمود، فحكومة نتنياهو الائتلافية الضيقة تخوض معركة بقاء تستخدم فيها ملفي "نزع سلاح المقاومة" و"التهديد الإيراني" كأوراق انتخابية، بعد أن فقدت الحكومة السادسة والثلاثون أغلبيتها، تم الدعوة إلى انتخابات مبكرة في عام 2022. وقد أسفرت عن حصول كتلة نتنياهو على الأغلبية وتم التفاوض بنجاح على حكومة بين الليكود وعوتسما يهوديت ونعوم والحزب الصهيوني الديني ويهودية التوراة المتحدة وشاس. وأدى الائتلاف اليمين الدستورية في 29 ديسمبر 2022 مع هذه الحكومة الجديدة، عاد بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء، بعد أن كان خارج منصبه منذ فوز الكتلة المناهضة لنتنياهو بالأغلبية في انتخابات 2021 وتشكيل حكومة بدون حزب الليكود بزعامة نتنياهو.

وانضم خمسة أعضاء من حزب الوحدة الوطنية (بيني غانتس، وغادي آيزنكوت، وجدعون ساعر، وهيلي تروبر، ويفعات شاشا بيتون) إلى حكومة طوارئ في وقت الحرب العدوانية على غزة في أكتوبر 2023. كما انضم غانتس وآيزنكوت إلى مجلس الوزراء الصهيوني للحرب. أعلن ساعر في 25 مارس 2024 أن حزب الأمل الجديد استقال من الحكومة وغادر غانتس وبقية حزب الوحدة الوطنية الحكومة في 9 جوان أعلن حزب أوتزما يهوديت في 19 جانفي أنه سيترك الحكومة لأن الحكومة وافقت على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. ومن ثم، فإن هشاشة التوازنات تجعل نتنياهو يناور ضمانا لكسب أوراق سياسية. ووفق منطق السباق نحو القاع، حيث تتنافس الأحزاب الصهيونية على تبني مواقف أكثر تطرفاً تجاه الفلسطينيين. انسحاب أحزاب مثل "أوتزما يهوديت" من الحكومة بسبب موافقتها على وقف إطلاق النار يظهر الاصطدام بمصالح فصائلية ضيقة.

ويتبع الكيان استراتيجية "الفخ المزدوج" في غزة، من ناحية، توقع الاتفاق ثم تعرقل تنفيذه، مما يخلق ذريعة لاتهام الطرف الفلسطيني بعدم الجدية. من ناحية أخرى تستخدم الانتهاكات اليومية (576 قتيلاً و1543 جريحاً منذ الاتفاق) كأداة للإرهاب المؤسسي الذي يهدف إلى كسر إرادة الفلسطينيين، وأما السيطرة على المعابر والتحكم بالمساعدات، فإنه يمثل تطبيقا لمبدأ "العقاب الجماعي" كأداة ضغط سياسي.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع