ثقافة

"مواقع التواصل والذباب الالكتروني حولت الريميتي إلى محاكمة وإدانة مسبقة"

الروائي واسيني الأعرج ينشط لقاء أدبيا في دار الثقافة مالك حداد بقسنطينة.

  • 363
  • 3:15 دقيقة
ح.م
ح.م

حذر الروائي والأكاديمي واسيني الأعرج من هيمنة النقد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، داعيا إلى إعادة الاعتبار للشيخة الريميتي بوصفها ذاكرة فنية ومقاومة اجتماعية صنعت تاريخ الراي، حيث دافع عن رواية " الريميتي" خلال لقاء أدبي نشطته دار الثقافة مالك حداد بقسنطينة، معتبرا أن حجم الصراعات والانتقادات التي أثارتها الرواية يعكس ربما يقول المكانة التي بات يحتلها الروائي في الجزائر، رغم ما يعرفه المجتمع من أزمة قراءة ومحدودية الإقبال على المطالعة.

وأوضح واسيني الأعرج، أن ما أثار انتباهه هو حجم الجدل الذي رافق الرواية إلى درجة أن الروائي الجزائري أصبح يحظى باهتمام واسع في وقت يعاني فيه الكتاب من ضعف المقروئية، وأشار إلى أن هذا الاهتمام لا يخلو من انتقادات قاسي، ما يفرض على الكاتب بحسب تعبيره، أن يتسلح بالقدرة على المقاومة وعدم التأثر بكل ما يوجه إليه من ضربات،

وفي هذا السياق، دعا الأعرج إلى عدم إصدار الأحكام على الرواية قبل قراءتها مؤكدا أن من حق القارئ بعد الاطلاع على العمل أن يناقش مسار الفنانة ويحدد نقاط القوة والضعف فيه في إطار نقدي يقوم على المعرفة والقراءة الفعلية لا على الأحكام المسبقة والانطباعات السطحية.

وانتقد المتحدث، تحول النقد الروائي من فضائه الأدبي والأكاديمي إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث باتت الآراء والانطباعات السريعة تحل محل الجهد النقدي الجاد، مشيرا إلى أن النقاش الأدبي انتقل من الجامعة والندوات الثقافية إلى الفضاءات الرقمية، التي أصبحت تشهد بدورها حضورا لما وصفه بالذباب الإلكتروني بما يساهم في توجيه النقاش بعيدا عن القراءة المتأنية والتحليل الموضوعي.

واعتبر واسيني الأعرج أن الرهان الأساسي في الرواية يتمثل في استعادة شخصية الشيخة الريميتي التي وصفها بالشخصية المقاومة بالنظر إلى مسار حياتها الاستثنائي، فقد عاشت اليتم والبؤس خلال أربعينيات القرن الماضي في فترة الحرب العالمية الثانية قبل أن تنطلق من واقع قاس لتصل إلى العالمية وتغني في 75 موقعا عالميا من بينها دور الأوبرا وقاعات موسيقية كبرى، متسائلا  عن الكيفية التي تمكنت بها امرأة عانت الفقر والتهميش من بلوغ هذه المكانة الفنية الرفيعة، لتصبح إحدى أبرز الأسماء المؤسسة لفن الراي، قائلا " الشيخة الريميتي  عرفت بلقب الأم الكبيرة للراي وأسماء بارزة مثل الشاب خالد ومامي وحسني لولاها لم تكن وحدها "، مشيرا إلى أنها افتتحت أول مهرجان للراي، مع بداية حضوره المهرجاني خلال سنوات الثمانينيات.

وأثار المتحدث، مسألة ضعف الاهتمام بتاريخ الريميتي الموسيقي داعيا إلى إنجاز بحوث جادة تتناول حياتها ومسيرتها وقيمتها الفنية، بعيدا عن الأحكام الاجتماعية الجاهزة التي اختزلت تجربتها في طبيعة بعض كلماتها ومضامين أغانيها، وشدد على ضرورة التعامل مع هذه الشخصية من منظور إنساني أولا قبل الانتقال إلى النقاش الأخلاقي الذي يمكن أن يكون موضوعا للحوار مع مراعاة المناخ الاجتماعي والثقافي الذي ظهرت فيه أغانيها والظروف التاريخية التي أحاطت بها، بما يسمح بفهم التجربة الفنية قبل إصدار الأحكام عليها.

وتوقف واسيني الأعرج عند ما اعتبره موقفا أخلاقيا متكررا من الشيخة الريميتي، حيث يجري التركيز على كلمات أغانيها التي ينظر إليها البعض باعتبارها قبيحة أو سيئة أو غير مقبولة داخل العائلات في مقابل إهمال السياقات التاريخية والاجتماعية التي تشكلت فيها تجربتها الفنية، وتساءل عن أسباب استمرار هذا النوع من الأحكام رغم أن مسيرتها تعود إلى حقبة تاريخية بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي حين التحقت بمجموعات المداحات قبل أن تتطور تجربتها الفنية تدريجيا، وتتأثر بعدد من الأسماء والأنماط الغنائية في الغرب الجزائري.

وأشار إلى أن الشيخة الريميتي تأثرت بالشيخ حمادة، الذي علمها جانبا من أصول الفن والرسانة، غير أن المسار الغنائي الذي اختارته لم يكن مطابقا للنمط الذي اشتهر به الشيخ حمادة القائم على النصوص الشعرية، كما تأثرت بغناء الصف في الغرب الجزائري، وهو ما انعكس على خصوصية تجربتها الفنية وخياراتها الغنائية، مضيفا أن جزءا من هذه الرحلة الفنية لا يزال مهملا، مستحضرا غناءها عن بن بلة وسخريتها من الجنرال ديغول، باعتبار ذلك من المحطات التي تستحق التوقف عندها ودراستها ضمن سياقها التاريخي والفني بدلا من اختزال مسيرتها في الأحكام الأخلاقية.

وختم الأعرج، بالتأكيد على ضرورة التمييز بين تقييم العمل الأدبي والحكم على صاحبه، وبين النقد المبني على القراءة والمعرفة والأحكام التي تنتجها مواقع التواصل الاجتماعي، مع التشديد على أن تحديد قيمة الكتاب يقتضي الاطلاع عليه وفهم سياقه وأن إنصاف الشيخة الريميتي يمر عبر البحث في تاريخها الموسيقي وظروفها الاجتماعية وقيمتها الفنية، بعيدا عن الاختزال والإدانة المسبقة.