مجتمع

السياقة بلا أضواء.. خطر داهم على الطرقات

المشرع الجزائري حدد 17 ضوءا إجباريا في المركبة.

  • 254
  • 4:34 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم يكن نفق وادي أو شايح بالعاصمة في أحد ليالي صيف 2026 يوحي باقتراب الخطر.. تدفق منتظم لمركبات من مختلف الأنواع والأحجام تشق طريقها تحت الأرض وسط أضواء خافتة تنعكس على الجدران.. فجأة أحد السائقين يقود مركبته بسرعة جنونية مستعجلا الخروج من النفق دون أن ينتبه إلى أن أضواء مركبته منطفئة.

داخل هذا النفق، حيث تتقلص الرؤية ويزداد الاعتماد على الإنارة، تحولت السيارة إلى ظل لا يكاد يرى، فالمركبات القادمة لا تنتبه لها وصاحبها بدوره لم يدرك حجم الخطر الذي يقترب بسرعة. وفي ثوانٍ وبسبب ومضة ضوء، تحولت رحلة عادية داخل النفق إلى حادث جسيم أعاد إلى السطح إشكالية السياقة بدون أضواء خاصة في الفترات الليلية.

ومن أجل تسليط الضوء على الموضوع، يقول السيد بن معمر سيد علي، مدير مدرسة السياقة ورئيس الأمانة الوطنية للتنظيم بالنقابة الجزائرية لمدارس تعليم السياقة "إن السيارة منظومة متكاملة من الأجهزة الموجهة للقيادة والسلامة في آن واحد"، موضحا أن جهاز الإنارة يعد من بين أهم هذه المنظومات، لما له من دور أساسي في تأمين الرؤية والتنبيه، سواء تعلق الأمر بالإنارة الأمامية أو الخلفية أو إنارة المقصورة الداخلية.

وفي سياق حديثه عن واقع استعمال الإنارة في الطرقات، أشار المتحدث إلى أن الملاحظ ميدانيا هو وجود مركبات تسير بخلل في الأضواء، وأخرى منعدمة الإنارة تماما، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الأمر مرتبطا بإهمال السائقين وعدم إدراك خطورة هذا الخلل، أو بتماطل وتعمد في بعض الحالات، وهو ما يعكس، حسبه، غيابا واضحا للوعي المروري.

وأكد بن معمر أن الإنارة ليست مجرد عنصر ثانوي في السيارة، بل أداة أساسية للتنبيه بوجود المركبة وتحديد وضعيتها، إضافة إلى دورها في تأمين الرؤية ووضوح الطريق في مختلف الظروف الجوية وعلى جميع أنواع الطرقات.

وعلى مستوى المقارنة الدولية، أوضح بن معمر أن العديد من الدول الأوروبية تعتمد تنظيمات صارمة بخصوص الإنارة، حيث أصبح من الضروري إبراز وجود السيارة حتى في وضح النهار، عبر تجهيز المركبات بأضواء النهار (feux de jour) أو مصابيح لاد" LED" مخصصة لذلك، بينما تلزم السيارات القديمة باستعمال أضواء التقاطع نهارا، بهدف تعزيز السلامة المرورية والتنبيه المبكر لباقي السائقين.

أما في الجزائر، فقد أشار إلى أن المشرع حدد 17 ضوءا إجباريا في المركبة، منها 8 أمامية و9 خلفية، تشمل أضواء إنارة وأضواء تنبيه، مع إلزامية إضافات خاصة بالنسبة للمركبات التي يتجاوز طولها الـ 6 أمتار وعرضها 2.1 متر. وشدد على أن هذه التجهيزات تعد إلزامية قانونا، وأن غيابها يصنف كمخالفة مرورية.

كما أوضح أن المشرع حدد أيضا بدقة خصائص هذه الأضواء من حيث اللون، درجة الإضاءة ومدى الرؤية، بما يضمن فعاليتها في مختلف الظروف، ويعزز من سلامة السائقين ومستخدمي الطريق.

"إهمال أضواء المركبات يقود السائق إلى الخطر"

من جهته، أكد العميد الأول للشرطة، زواوي رابح، رئيس مكتب الاتصال بمديرية الأمن العمومي، أن السياقة بدون أضواء تعد من بين أخطر المخالفات المرورية التي عادت لتفرض نفسها بقوة في الآونة الأخيرة، لما تنطوي عليه من تهديد مباشر لسلامة مستعملي الطريق، خاصة خلال الفترات الليلية أو في ظروف ضعف الرؤية، موضحا أن هذه المخالفة لا تقتصر فقط على انعدام الإنارة، بل تشمل أيضا مختلف الاختلالات المرتبطة بأجهزة الإضاءة وعدم الالتزام بإشارات المركبة.

وكشف المتحدث، في تصريح لـ "الخبر"، أن المصالح الأمنية تسجل تزايدا ملحوظا في المخالفات المرتبطة بأعطاب أنظمة الإنارة، سواء تعلق الأمر بأضواء الطريق أو أضواء التلاقي في مقدمة المركبة، إلى جانب الغمازات التي تعد من أهم وسائل التواصل بين السائقين، فضلا عن الأضواء الخلفية الحمراء التي تنبه المركبات القادمة من الخلف، وأضواء لوحات الترقيم، وحتى إنارة مقصورات نقل البضائع.

كما شدد على الأهمية البالغة لأضواء الكبح وإشارات تغيير الاتجاه، باعتبارها عناصر أساسية لتفادي الاصطدامات وتنظيم حركة السير، سيما عند التقاطعات.

وأشار زواوي إلى أن تجاهل صيانة هذه الأجهزة أو إهمال استعمالها يضع السائق في دائرة الخطر، حيث تتحول المركبة إلى"شبح" غير مرئي على الطريق، ما يرفع بشكل كبير من احتمالات وقوع حوادث مرور خطيرة. كما يرتبط هذا السلوك، حسبه، بضعف المراقبة التقنية للمركبات، وعدم وعي بعض السائقين بأهمية هذه التجهيزات الحيوية.

وأكد المسؤول الأمني أن هذه المخالفات تتسبب كذلك في تعقيد حركة المرور وخلق اختناقات، خصوصا في النقاط التي تتطلب احترام الأولوية أو الاتجاه الإجباري، حيث تصبح إشارات المركبة وسيلة أساسية لتنظيم السير وتفادي المناورات الخطيرة.

وفي الجانب الردعي، لفت المتحدث إلى أن القانون يعاقب على هذه المخالفات بغرامات جزافية من الدرجة الأولى تقدر بـ2000 دج في حال تسجيل خلل في أجهزة الإنارة، وقد تصل إلى 5000 دج (مخالفة من الدرجة الرابعة) إذا اقترنت بمخالفات أخرى مثل رفض الأولوية أو عدم احترام الاتجاه الإجباري أو إشارات التقاطع، وهي سلوكات غالبا ما تنجر عنها حوادث خطيرة.

"الأضواء غير المطابقة للمعايير تهدد السلامة المرورية"

ترى نبيلة فرحات، رئيسة الجمعية الوطنية للممرنين المحترفين للسياقة، أن منظومة السلامة المرورية لا تكتمل إلا بالالتزام الصارم بشروط جاهزية المركبات، وفي مقدمتها أجهزة الإنارة التي يجب أن تكون مطابقة للمعايير، نظرا لما قد ينجم عن اختلالها من مخاطر تهدد سلامة السائقين، خاصة خلال القيادة الليلية أو في الظروف المناخية الصعبة التي تنخفض فيها الرؤية بفعل الضباب أو الأمطار أو غياب الإنارة العمومية.

وأوضحت المتحدثة أن الرؤية في الظلام ليست مجرد عامل راحة أثناء القيادة، بل هي عنصر حاسم في تفادي الحوادث، مشيرة إلى أن المعطيات الميدانية تفيد بأن الحوادث الليلية تمثل ما بين 30 و40 بالمائة من إجمالي حوادث المرور، رغم أن حركة السير تكون أقل مقارنة بالفترة النهارية، وهو ما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بضعف أو انعدام الإضاءة.

وفي هذا السياق، شددت فرحات على أن أي خلل في أجهزة إنارة المركبة، سواء تعلق الأمر بالمصابيح الأمامية أو الخلفية أو الاكتفاء بمصباح واحد بدل نظام الإضاءة المزدوج، لا يمكن اعتباره عطبا بسيطا، بل عاملا خطيرا قد يؤدي إلى تشويش بصري في إدراك مستعملي الطريق.

وأضافت أنه يمكن أن تبدو المركبة أصغر حجما أو أقرب أو أبعد مما هي عليه فعليا، ما يرفع من احتمالات أخطاء تقدير المسافات وسرعة المركبات الأخرى، خاصة في حالات التجاوز والتقاطع والسير على الطرق السريعة أو غير المجهزة بالإنارة.