العالم

لماذا تنتصر إستراتيجية الاستخلاف لدى المقاومة الفلسطينية على آلة الاغتيال

هذا البعد  بين اغتيال القيادة وإعادة إنتاجها الفوري، يبرز فشل هذا النمط من الاستهداف في ترجمة نجاحات الكيان التكتيكية.

  • 103
  • 4:28 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

دأب الكيان الصهيوني على انتهاج سياسة الاغتيالات الممنهجة ضد قيادات المقاومة الفلسطينية، كان آخرها اغتيال القائد عزالدين الحداد في ماي 2026، في سياق إستراتيجية "قطع الرؤوس كخيار عسكري، على الرغم من الإجماع النظري والتاريخي على محدودية فعاليتها في مواجهة التنظيمات عالية الصمود التنظيمي.

ووفقا لمقاربات نظرية الصمود التنظيمي والحرب غير التماثلية وما يعرف بنموذج "الهيدرا"، اتضح أنه كلما نجح الكيان تكتيكياً في تصفية رأس الهرم، زادت قدرة المقاومة على إعادة إنتاج قيادة بديلة من بنيتها الوسطية التحتية، محولة الاغتيال إلى عامل تسريع لتحول التنظيم نحو بنى أكثر لامركزية وأشد مرونة.

في 15 ماي 2026، أعلن رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه، اغتيال القائد عز الدين الحداد، قائد لواء غزة وعضو المجلس العسكري المصغر، بغارة على حي الرمال، ولم يكن الحداد مجرد قائد ميداني، فقد خلف محمد السنوار في قيادة أركان القسام واعتبر الرجل الأول في الجناح العسكري لحظة استهدافه، لكن اغتياله جاء ضمن سلسلة من الاغتيالات طالت الصف الأول من مجلس القسام العسكري وهم محمد الضيف، مروان عيسى، محمد السنوار، أحمد الغندور، أيمن نوفل، رافع سلامة، محمد شبانة، رائد سعد، غازي أبو طماعة، رائد ثابت، حذيفة الكحلوت "أبو عبيدة". ومع ذلك بالتوازي مع إعلان الاغتيالات، برزت فورا تكهنات بأسماء المرشحين لخلافة الحداد ممثلين في حسين فياض "أبو حمزة"، محمد عودة، هيثم الحواجري، مهند رجب، توفيق أبونعيم.

هذا البعد  بين اغتيال القيادة وإعادة إنتاجها الفوري، يبرز فشل هذا النمط من الاستهداف في ترجمة نجاحات الكيان التكتيكية إلى نصر استراتيجي حاسم.

وفيما تقوم إستراتيجية "قطع الرؤوس"، أو الاغتيالات الموجهة، على افتراض مركزي مفاده أن إزاحة رأس الهرم القيادي تؤدي إلى شلل تنظيمي، فإنها تفترض أن القادة التاريخيين يمتلكون مهارات ومعرفة لا يمكن تعويضها، وأن فقدانهم يحدث فراغاً يؤدي إلى تفكك البنية التنظيمية وتراجع الروح المعنوية للمقاتلين، وصولا إلى انهيار التنظيم كليا.

ويرى دانيال بايمان، أحد أبرز منظري مكافحة الإرهاب، أن إستراتيجية قطع الرؤوس تكون أكثر فاعلية حين يكون التنظيم المستهدف صغيراً ومركزياً وحديث النشأة، وحين يحتكر القائد وحده المعرفة والخبرة والقرار، و هو ما لا ينطبق على المقاومة، حيث أن اغتيال القائد في هذه الحالة لا يحدث فراغاً مؤسسياً، بل يطلق آلية استخلاف شبه تلقائية وهذا بالضبط ما ينطبق على المقاومة الفلسطينية التي تجاوز عمرها عقود وتمتلك بنية بيروقراطية معقّدة تشمل جناحا سياسيا (المكتب السياسي ومجلس الشورى) وجناحا عسكريا (كتائب القسام ومجلسها العسكري) وجناحا اجتماعيا (شبكة من المدارس والعيادات والمؤسسات الخيرية، ويؤكد باحثون أن التنظيمات الأقدم والأكثر تنظيما تُظهر مرونة عالية في مواجهة الاغتيالات.

وبالمثل يلعب الدعم الجماهيري الذي توفره البيئة الحاضنة دورا محوريا في استمرار التنظيم، فالمقاومة ليست مجرد مليشيا عسكرية، بل حركة اجتماعية وسياسية متجذرة في النسيج الفلسطيني، هذا التجذّر يضمن تدفقا مستمرا للموارد البشرية والمادية ويجعل الانتصار العسكري على التنظيم - بمفهومه الكلاسيكي - هدفا بعيد المنال.

الآلية المؤسسية للاستخلاف من "أبو عبيدة" إلى "أبو عبيدة الجديد"

لقد عكس الإعلان عن مقتل المتحدث العسكري حذيفة الكحلوت "أبو عبيدة" في 31 أوت 2025، ومن ثم إعلان حماس في 29 ديسمبر 2025 عن متحدث جديد ورث اللقب، آلية مؤسسية شديدة البراعة، فـ "أبو عبيدة" لم يكن مجرد شخص، بل هوية وظيفية ومؤسسية، والكوفية التي تخفي الوجه ترمز إلى أن المنصب أكبر من الفرد، وأن الوظيفة الإعلامية والعسكرية لا تتوقف بموت شاغلها، هذا الاستخلاف الوظيفي الفوري يُجرّد الاغتيال من أثره النفسي والدعائي.

منذ عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، تعرضت  المقاومة لضربات أفقدتها معظم صفها الأول، لكن هذه الخسائر، عوضا من أن تؤدي إلى انهيار التنظيم، سرّعت من تحوله نحو بنية أكثر لامركزية ومرونة. فبعد فقدان القيادة المركزية، تحولت الكتائب من تنظيم شبه تقليدي إلى تنظيم مجموعات أكثر تقسيما ومرونة، قادرة على العمل بخلايا مستقلة ونصف مستقلة وتشير مع إعادة هيكلة عبر تعيين قادة جدد لملء الشواغر التي خلّفتها الاغتيالات.

وهذا التحول ليس عرضا ضعف، بل هو تجسيد لاستراتيجية "البقاء عبر التكيف"، حيث تُحوّل المقاومة نقطة ضعفها (فقدان القيادة المركزية) إلى مصدر قوة (استحالة شل التنظيم بضربة واحدة). وكما خلصت دراسة حديثة لمركز دراسات، فإن سياسة "قطع الرؤوس" تُنتج نتائج رئيسية في التنظيمات ذات البنية اللامركزية وهي بقاء البنية التنظيمية.

وفي 13 ديسمبر  2025، اغتيل رائد سعد، رئيس هيئة العمليات وركن التصنيع، الذي كان يوصف بالرجل الثاني بعد الحداد. وفي اليوم التالي مباشرة، أعلنت  المقاومة "نؤكد أن قتالنا لن يتوقف، وأن اغتيال القادة لن يضعفنا، بل سيزيدنا قوة وصمودا وإصرارا على مواصلة الطريق الذي مهدوه بدمائهم"، وقد عيّنت فورا قائدا جديدا خلفا له.

هذه الديناميكية تختصر جوهر المأزق الصهيوني، فكل قائد يُغتال يخلفه آخر بذات العقيدة القتالية وبروح ثأرية متجددة، واستخدمت استعارة "الهيدرا"  الكائن الأسطوري متعدد الرؤوس الذي ينمو له رأسان كلما قطع رأس واحد، لوصف تنظيمات المقاومة لدى العدو الصهيوني.

وقد جرب الكيان إستراتيجية الاغتيالات لعقود ضد الحركة الوطنية الفلسطينية بكل أطيافها، من فتح إلى حماس والجهاد الإسلامي،  الى الجبهة الشعبية والديمقراطية، إلى منظمة التحرير دون أن تتمكّن من إنهاء أي منها. وقد خلصت دراسة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن "نجاح استراتيجية "قطع الرأس" بعيدة المدى التي يعتمدها الكيان لا تزال موضع شك، وتهدف الاستراتيجية إلى تعطيل سلسلة القيادة والحد من فاعلية قوات العدو، لكنها لم تحقق أهدافها الاستراتيجية". ويفسر باحثون صمود هذه الحركات بأن تنظيمات المقاومة تظهر قدرة أعلى على الصمود في وجه الاغتيالات. ولم يعد الكيان يكتفي باستراتيجية "قطع الرؤوس" التقليدية، بل انتقل إلى ما يمكن تسميته "كسر العمود الفقري"، هذه الاستراتيجية الجديدة لا تستهدف القادة فقط، بل تسعى إلى تدمير الوجود الفلسطيني برمته، من خلال القتل الجماعي والتجويع والتدمير الممنهج للبنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية، بهدف تهجير السكان وتقويض أسس الصمود وكسر الإرادة الجمعية وإفراغ الأرض من سكانها، تحت غطاء "التهديد الوجودي". ويعكس هذا التحول مأزقا استراتيجيا عميقا، فعندما تفشل "الجراحة الدقيقة" المزعومة للاغتيالات في تحقيق الهدف السياسي،  ينتقل إلى "الجراحة العظمى" التي تستهدف الجسد كله.