مجتمع

هل فقد الذهب بريقه في عيون الجزائريات؟

بعد فترة قصيرة من الانخفاض الطفيف الذي شهده سوق الذهب، لم يلبث أن عاد السعر ليرتفع مجددا، مسجّلا 28 ألف دينار للغرام الواحد.

  • 1356
  • 5:46 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في الجزائر، لم يعد الذهب كما كان يوما مرادفا للفرح والجاه والرمز العائلي المقدس، ذاك البريق الذي كان يختصر بهجة العرس في "مقياس" يلتف حول معصم عروس الشرق الجزائري أو طقم "خيط الروح" الرفيع الذي يزين عنق "العاصمية" ليلة زفافها، فبين موجات الغلاء وتقلبات السوق، فقد المعدن الأصفر بعضا من بريقه، وبدأ ينسحب تدريجيا من تفاصيل الحياة اليومية، بعدما كان جزءا من الموروث الاجتماعي الذي لا يكتمل الفرح دونه، لكن اليوم، صار الذهب حلما مؤجلا في ذاكرة العرائس ورفوف الصاغة، وحلما يقاس بحذر شديد في ميزان الغرام والسعر، بعدما كان يقاس بالفرح والفخر.

بعد فترة قصيرة من الانخفاض الطفيف الذي شهده سوق الذهب، لم يلبث أن عاد السعر ليرتفع مجددا، مسجّلا 28 ألف دينار للغرام الواحد، في موجة جديدة من الغلاء أعادت إلى الواجهة الشعور القديم بأن الذهب لم يعد في المتناول، وأن كل تراجع سابق لم يكن سوى استراحة مؤقتة في صعود صاروخي أثقل كاهل العائلات، فانخفاض 3 آلاف دينار لم يصنع فارقا حقيقيا، أما الارتفاع الجديد فعمّق الهوّة من جديد، وكأن المسافة بين الواجهة والزينة تكبر بدل أن تضيق، وبين اللمعان والحقيقة فجوة تتسع مع كل يوم.

وبالرغم من التراجع الطفيف في أسعار الحلي الذهبية في الأسابيع القليلة الأخيرة، قبل تسجيل موجة ارتفاع جديدة لا تزال مستمرة،إلا أن المسافة بين الواجهة والزينة ما تزال بعيدة.. بعيدة جدا، وكأن الانخفاض الذي لم يتعدّ 3000 دينار في الغرام الواحد لم يلامس جيوب الناس ولا أحلامهم، بل مرّ عابرا فوق واقع أثقلته المصاريف والتكاليف التي تحاصر كل من يفكّر في الزواج أو الاستثمار في المعدن الأصفر، أو في مجرّد الاحتفاظ ببعض اللمعان في حياته.

الذهب الذي لطالما شكّل جزءا من الهوية الاجتماعية للمرأة الجزائرية يعيش اليوم مرحلة تحول لافتة، فبعد أن تجاوز سعر الغرام عتبة 29900 دينار قبل أسابيع، تراجع إلى حدود 26800 دينار، في انخفاض مؤقتوظاهري لم يغيّر جوهر المشكلة.

وبين القصبة، حيث التاريخ يتدلى من الواجهات العتيقة وتفوح روائح العرس من زنقة إلى أخرى، ورويبة التي تنبض بالتجارة والحركة، حيث جالت "الخبر" بحثا عن بريق المعدن الأصفر تتجسد المفارقة بوضوح: ذهب تذبذب سعره في السوق لكن لاالأكيد أنه ما يزال بعيدا عن متناول الناس، وبريقه يخفت في الواجهات دون أن يغيب من الذاكرة.

في قلب العاصمة، وتحديدا عند مدخل القصبة، يبدأ المشهد، أزقة ضيّقة تتسلّل بين بيوت متلاصقة، جدرانها تنبض برائحة التاريخ وملح البحر، وصدى الخطوات فيها يختلط بأصوات الباعة وصيحات العرائس الصغيرات اللائي يختبرن حلم الزينة للمرة الأولى.

عند مدخل "زنقة العرايس"،          الزقاق الشهير الذي يشبه متحفا مفتوحا للذاكرة النسائية الجزائرية، تلتقي العادات القديمة مع ضيق العيش المعاصر في مشهد واحد نابض بالتناقض والحنين.

تقبل النساء من كل صوب، من باب الواد وبلوزداد والحراش، ومن المدن المجاورة كالبليدة وتيزي وزو وبومرداس، يحملن في وجوههنّ شوقا دفينا لفرح قديم يصعب استعادته، وفي أيديهنّ قوائم تجهيز طويلة تثقلها الأسعار.على اليمين، تمتد واجهات الصاغة تتلألأ بأطقم مذهبة على أقمشة حمراء ومخملية، بينما تتدلى الأساور في الضوء كأنها خيوط من شمس قديمة لم تعد تلمع كما كانت.

يخرج أحد الصاغة من محله، يمسح الغبار عن واجهته الزجاجية ويقول بابتسامة شاحبة: "منذ 30 سنة وأنا هنا، لم أر الناس بهذا التردد مثل اليوم.. ينظرون للذهب، يتنفسونه، بصح ما يشروهش."يضيف محدث "الخبر" وهو يرفع ميزانه الصغير ليحتسب لنا قيمة خاتم وقرطين صغيرين من الذهب المستعمل "الذهب لم يعد في المتناول، الناس أصبحت تحسب بالغرام وليس بالطقم، تفضلي هذين يزنان أكثر من 4 غرامات بدون احتساب الأحجار".

لم يمض الكثير من الوقت حتىدخلت "سهام" مرافقة والدتها، وهي شابة في أواخر العشرينات، تحدق في طقم ذهبي يلمع خلف الزجاج، وتقول بصوت خافت: "كنت أحلم أن أكون مثل أمي، طاقم ذهب كامل ليلة العرس، لكن هذا مستحيل... أبحث على شيء رمزي فقط، المهم نحس بالفرحة."تضحك والدتها وهي تمسك بذراعها: "زمان كان الذهب زينة وبركة، اليوم ولى هم."تختصر كلماتها التحول كله، بين جيل كان الذهب فيه علامة جاه وفخر، وجيل آخر صار يراه عبئا ماديا لا يطاق.

في "الزنقة" المجاورة المعروف بـ"زنقة اللوز"، تفوح رائحة الحلويات التقليدية: اللوز، الفانيليا، ماء الزهر، هنا تباع مستلزمات الأعراس وورود السكر وأقمشة التزيين، وكل لوازم الحلويات.تبدو المفارقة واضحة بين المكانين: رائحة الحلوى تغري الحواس، بينما بريق الذهب يثير الحسرة.تخرج امرأة من أحد المحلات حاملة كيسا من الجوز الذي بات سعره في متناول الجميع تقريبا، وتقول مازحة: "على الأقل نقدر نطيب بقلاوة الجوز، أما الذهب خليه للي يقدر عليه."

القصبة في هذا الصباح الشتوي تبدو كأنها تحاول مقاومة التغيّر، كأنها تصر على الاحتفاظ بفرحها القديم رغم كل شيء.

محلات القماش تعرض أقمشة الديباج والموسلين المطرزة يدويا، وقطيفة الهوى، والنساء هنا ما زلن يساومن في الأسعار كما كن يفعلن قبل عقود، لكن بين السطور، بين النظرات والهمسات، يشعر المار بأن شيئا عميقا تغير.

الذهب لم يعد فقط معدنا ثمينا، بل صار مرآة للواقع الاقتصادي والاجتماعي، يقيس نبض القدرة الشرائية مثلما يقيس وزن الفرح في هذا المجتمع.

أما في الجهة الشرقية من العاصمة، تتغير الملامح لكن الحكاية تبقى نفسها، ففي الرويبة، المدينة الحديثة "تجاريا" والنابضة بالحركة، تبدو المحلات أكثر اتساعا، والواجهات أكثر ترتيبا، غير أن القلق ذاته يسكن وجوه الزبائن، والباعة كذلك.

يقول كمال، أحد الصاغة هناك: "الناس لم تعد قادرة كلها على اقتناء الذهب، العروس تستفسر وتقلب الموديلات فقط، أصغر طاقم يتجاوز 30 مليونا، والزوجان اليوم أمام مسؤوليات ومصاريف ثقيلة جدا، الذهب صار بعيد المنال بالنسبة لهم". ويضيف بابتسامة تحمل بعض المرارة: "زمان كان الذهب ضمانة، أما اليوم أصبح رفاهية."

في المحل المجاور، شابة مقبلة على الزواج تجرب خاتما بسيطا، ترفع يدها نحو الضوء، تبتسم بخجل، ثم تسأل عن السعر، حين تسمع الجواب، تنزع الخاتم بهدوء وتقول: "نخليه للمرة الجاية."

المشهد يتكرر عشرات المرات يوميا، بأسماء مختلفة، وأحلام متشابهة، ورغم كل هذا الغلاء، يبقى هناك خيط رفيع من الوفاء يربط الجزائريات بالذهب.

بالعودة إلى القصبة، ليس إلى محلات الذهب المحصنة والمزودة بالكاميرات لمراقبة كل التحركات، ولكن هذه المرة سنقترب من مدخل حي سوسطارة العتيق أو نهج الشهيد ذبيح شريف، تحديدا حيث يجلس عدد من الباعة رجالا وسيدات أمام المحلات، حاملين في أيديهم الكثير من الخواتم والقلائد الذهبية، يطلق عليهم اسم "الدلّال" أو "الدلالة".وفي أحد الأركان، تجلس امرأة مسنة تحمل في يديها ما يفوق 10 خواتم ذهبية وقلادتين تظهرهما بفخر لكل من تمر أمامها عسى أن تستقطب زبونة في يومها الراكد هذا.

عند هؤلاء الباعة يمكن اقتناء أو بيع الذهب المستخدم أو ما يطلق عليه بـ"الكاسي"، يشتهرون بعبارة "كاش كاسي، راه غالي الذهب"، لكن التعامل معهم اليوم لم يعد سهلا أبدا، فالخبير بنوعية الذهب وحده من سيعرف إن كان الحلي أمامه حقيقيا أم مجرد معدن مقلد، أو نحاس "مشلّل".

وفي موقف آخر أمام محل مجوهرات عند مدخل شارع الشهيد العربي بن مهيدي تراقب عجوز مسنة حفيدتها وهي تري البائع المطل من زجاج الواجهة قرطا ذهبيا صغيرا، مبدية اهتمامها وإعجابها به فيما تهمس لها الجدة وهي تبتسم: "الذهب ما يتبدلش يا بنتي، الحدايدللشدايد."

تلك الجملة وحدها تختصر علاقة الجزائريات بالمعدن الأصفر، علاقة تتجاوز السوق إلى العاطفة، إلى الذاكرة، إلى الشعور العميق بأن الذهب ليس مجرد زينة، بل قطعة من الزمن الموروث تختزن في صندوق خشبي وتورث كما تورث الحكايات، وتستخرج كذلك عند الشدائد والمحن لتكون الحل الأخير أمام تقلّبات الزمان.

في النهاية، وبين محلات القصبة العتيقة ورويبة العصرية، يبدو الذهب اليوم كأنه مرآة الجزائر نفسها: ماضيها العريق يلمع في الذاكرة، وحاضرها يساومها على التفاصيل الصغيرة، فالمعدن الذي قد يتراجع سعره في الأرقام، لم يتراجع في القلوب، ولا في رمزيته التي تتجاوز القيمة المادية إلى معنى أعمق بكثير.