مبعوث "الخبر" إلى الرباط: شعيب كحول
من أكثر الأمور التي لفتت اتنباهنا خلال تغطية كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، الحضور اللافت وغير المسبوق لأبناء الجالية الجزائرية القادمين من مختلف بقاع العالم، والذين غصّت بهم مدرجات الملاعب، حتى بدا واضحا في أكثر من مباراة أن أعدادهم تفوق، على ما يبدو، أعداد المناصرين القادمين مباشرة من الجزائر.
أول أمس في مدرجات ملعب مولاي الحسن بالرباط، وأثناء مواجهة المنتخب الوطني أمام الكونغو الديمقراطية، كان المشهد أكبر من مجرد مباراة كرة قدم. عند تسجيل عادل بولبينة هدف الفوز، رفعت رأسي تلقائيا نحو المنصة الشرفية، فلفت انتباهي مشهد له أكثر من دلالة: رضوان بوقرابة، أحد أشهر نجوم الكوميديا الارتجالية في فرنسا، ابن مرسيليا الذي اعتاد ملء ملعب "الفيلودروم" بعروضه، كان يقفز فرحا كأي مناصر بسيط، يحتفل بالهدف بجنون، في صورة تختصر عمق ارتباط أبناء الجالية بمنتخب بلد الأجداد.
ولم يتوقف الأمر عند صافرة النهاية، إذ واصل بوقرابة الاحتفال بعد المباراة، وراح يرقص وسط الجماهير الجزائرية متوشحا بالعلم الوطني، في مشهد عفوي جسّد الانتماء الصادق للجزائر بعيدا عن الأضواء والحسابات.
غير بعيد عنه، كان زين الدين زيدان، أسطورة الكرة العالمية وابن مدينة مرسيليا أيضا، يتجرد من هدوئه ووقاره المعهودين، ويحتفل هو الآخر بالهدف بطريقة لم نعتد رؤيتها، لا عندما كان يهز الشباك لاعبا، ولا حين كان يقهر الخصوم مدربا. مشهد صريح يؤكد أن الانتماء لا تلغيه النجومية ولا تمحوه المسافات.
وحتى وإن ربط البعض حضوره لمباريات "الخضر" بتواجد ابنه لوكا في عرين مرمى المنتخب، فإن ذلك لا ينتقص شيئًا من تعلق "زيزو" ببلد أصوله، وهو الذي عبّر مرارا عن فخره بجذوره الجزائرية، سواء في تصريحاته أو مختلف زياراته للجزائر، فضلًا عن نشاطاته الخيرية المعروفة. هذه المشاهد ليست سوى عناوين عريضة لعشرات القصص التي نكتشفها يوميا لأبناء الجالية هنا في المغرب.
كنا نعتقد في البداية أن الأمر ظرفيا ولا يعدو كونه تزامنا مع عطلة أعياد نهاية السنة، أو أن انخفاض أسعار تذاكر السفر من فرنسا بشكل خاص هو العامل الأساسي وراء هذا الزحف الجماهيري، لكن الواقع الميداني كشف أن القصة أعمق من ذلك بكثير.
التقينا بأنصار قدموا من مختلف مدن فرنسا، من كندا، وحتى من الولايات المتحدة، تركوا التزاماتهم المهنية والعائلية، وجاؤوا ليعيشوا لحظات انتماء لا تُقدّر، حسب تعبيرهم، بأي ثمن.
رابح، المقيم في بولونيا، كان قد قرر العودة مباشرة بعد مباراة ثمن النهائي. اشترى تذكرة عودته عبر فرانكفورت مقابل 200 أورو، لكنه بعد الفوز لم يستطع مغادرة الأجواء، فغيّر قراره، ومدد إقامته، وقرر شدّ الرحال إلى مراكش لحضور مباراة ربع النهائي، متحملًا تكاليف إضافية دون تردد.
محمد، المقيم في مونتريال، قصة أخرى لا تقل دلالة. التزامات مهنية فرضت عليه العودة بعد المباراة الثانية أمام بوركينا فاسو، لكنه لم يقاوم النداء، عاد من جديد لحضور مباراة أمس، متحملًا أعباء مالية إضافية، وحتى مخاطر الوقوع في مشاكل مع مسؤولي عمله، فقط ليكون حاضرا مع "الخضر". والقصص والأمثلة كثيرة ونكتشفها كل يوم.
ولا يمكن إغفال معطى مهم في هذا السياق، يتمثل في أن تركيبة المنتخب الوطني الحالية تضم عددًا معتبرًا من اللاعبين المنحدرين من أبناء الجالية الجزائرية بالمهجر، وهو ما يضفي بعدا إضافيا على هذا التلاحم بين المدرجات وأرضية الميدان، ويجعل العلاقة بين الجمهور والمنتخب علاقة هوية وانتماء قبل أن تكون مجرد تشجيع رياضي.
كما أن من أبرز مظاهر هذا التعلق، تلك الاحتفالات الصاخبة التي تعم ضواحي روبي شمالي فرنسا، وشوارع مرسيليا، ولندن وغيرها من العواصم الأوروبية، عقب كل انتصار لـ"الخضر"، في مشاهد تعيد رسم خريطة الفرح الجزائري خارج الحدود رغم التضيق وحملات التشوية التي يقودها في كل مرة اليمين المتطرف في فرنسا بشكل خاص ضد هؤلاء.
هنا، في شوارع الرباط ومحيط الملاعب، لمسنا حبا صادقا، وتعلقا عميقا، وانتماء لا تشوبه حسابات. شاهدنا أشخاصا عاديين، مؤثرين، نجوم كرة، وفنانين وصحفيين من أبناء الجالية الجزائرية في المهجر، جميعهم متوشحون بالألوان الوطنية، يهتفون بحياة الجزائر، في لوحة جماعية تؤكد أن المنتخب الوطني ليس مجرد فريق كرة قدم، بل رابط وجداني يجمع أبناء الجزائر وأجيال الجالية من الأول إلى الثالث، ويعيدهم في كل مرة إلى الوطن، ولو على بعد آلاف الكيلومترات.
في كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، لم يكن حضور الجالية الجزائرية مجرد رقم في المدرجات، بل رسالة واضحة مفادها أن الجزائر تسكن قلوب أبنائها أينما كانوا، وأن الراية الوطنية قادرة دائما على جمعهم تحت شعار واحد: "تحيا الجزائر".

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال